Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

إلى نهاد المشنوق مع خالص احترامي
(ألكسندر نعمه)


يا صاحب قلمٍ وجدت فيه دومًا شيئًا من الموضوعية.

قد لا يحق لي ومن موقعي في التيار الوطني الحر الردّ على ما توجهت فيه في كتابك إلى دولة الرئيس العماد ميشال عون. كما وإنني لا أجد نفسي مخولاً الإجابة على أسئلة طرحتها عبر صفحات جريدة السفير صباح  الاثنين 21/01/2008 . ولكن من باب مشاركتي في نضال دام 17 عامًا إلى جانب التيار الوطني الحر والعماد عون، أعتبر نفسي معنيًا ولو قليلاً؛ فعذرًا على صراحتي المفرطة.

إذا كان كثيرون اعتبروا في انتفاضة العماد عون في حرب التحرير «كما ذكرت»، مخالفة للمتغيرات الدولية، والتسلم والتسليم بين مصالح الغرب من جهة والفكر الاستعماري الإحتلالي للدول العربية من جهة أخرى، فأنا واحدٌ من آلاف وجدتُ بهذه المحطة التاريخية تكريسًا جديدًا لفعل ومبدأ الاستقلال ورفضًا قاطعًا لإلغاء الكيان اللبناني.

نعم، قد تجد بهذه اللغة، بداية جيّدة لقصيدة تصلح أن تصنّف في خانة الهجاء الشعري، ولكن في الواقع هي مبادئ راسخة في عقولنا وقلوبنا ودامغة في بناء مستقبلنا، فلا وطن يبنى على مبدأ الرضوخ ولا شعب يستمر على نظرية الاستسلام، وإن خيار الممانعة واجب الدول الضعيفة.

إذا كان تجاهلك لسنين طوال سببه إيمانك بما فعله العماد عون من ثورة على الظلم والاستبداد والتبعية فإنه بالنسبة لنا إرادة حقّة وفعل ممزوج بفاهيم السيادة والحرية. أما عن التفاوض وما كتبه ألبير منصور فأترك للعماد عون الردّ عليه فهو الأقدر على ذلك، ولكن نذكرك بما كتبه الصحافي سركيس نعوم عن تلك الحقبة وفي الصفحة 170 وكيف رفض رئاسة الجمهورية حفاظًا على الجمهورية. أما إذا كانت الثورة المسلحة ضد الاحتلال مرفوضة عندك ولغة التفاوض إهانة لشخصك، فهل تستطيع أن تقول لنا ما هو المقبول؟! التفاوض حق مقدّس بين الدول والشعوب وهو اعتراف علني بالآخر والمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، هي لغة رفض لما هو مفروض، حتى ولو جاءت نتيجته الخسارة.

بعد توجه العماد عون إلى السفارة الفرنسية، بعث رسالة إلى شقيقه أبو نعيم، يطمئنه على وضعه ويسأله عن الأهل والأقارب، وفي القسم السياسي من الرسالة قال العماد عون ما معناه، إن حالة الممانعة التي أوجدناها لا بدّ أن تثمر إرادة دولية نحو التغيير وتتلاقى عندها الإرادة الداخلية مع الخارجية ويتحرر الوطن من الظلم والاحتلال. أردت تذكيرك بهذه الحادثة لأوضح لك أن خروج الاحتلال السوري من لبنان لم يكن نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بل كان نتيجة قرار دولي يحمل الرقم 1559، رفضته كل الأحزاب اللبنانية والتي كانت تطالب حينها بوحدة المسار والمصير والوجود الشرعي والضروري والمؤقت، وأيد هذا القرار، وقتذاك، التيار الوطني الحر منفردًا واعتبره العماد عون ترجمة دولية لقانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان. وعلى أثره أُحيل إلى المحكمة بتهم جائرة ومعلّبة. كما وأن نضال شباب التيار الوطني الحر طيلة 17 عامًا أبقت شعلة التحرير قائمة ومتجددة. هذه الانتفاضة التي تكلمت عنها، لم تكن سوى عُصارة سنين من النضال والتنكيل والملاحقات، وما عملية اغتيال الرئيس الحريري سوى محطة لبداية جديدة لهيمنة دولية جديدة، أثبتتها الأحداث المتلاحقة.

وعن عودة العماد عون، ولو سلّمنا جدلاً أنها جاءت بشروط فقد أثبتت الأحداث التي تلت العودة أن شخصا كالعماد عون لا يساوم على حق مكتسب ولا ينحني لشروط ولضغوط، ومن عمل على إدانة سوريا في الأمم المتحدة لا يدخل في بازار سياسي معها للعودة إلى وطنه، ومن رفض الرضوخ لشروطها في ذروة وجودها لا يتحاور معها في أضعف محطة من محطات وجودها في لبنان وتاريخها الحديث. أما إذا وجدت في ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر إحدى هذه الشروط التي فرضت مسبقًا ليوم العودة، فهل تستطيع أن تشرح لنا كيف فُرض قانون 2000 في ربيع 2005؟ من عمل على الحلف الرباعي؟ وكيف شُكلت الحكومة السنيورية؟ كيف ألغي المجلس الدستوري؟

وهنا أيضًا للتاريخ؛ لم يكن التحالف الرباعي كما ذكرت بين حزب الله وسعد الحريري ووليد جنبلاط والقوات اللبنانية، بل كان بين حزب الله وحركة أمل من جهة وتيار المستقبل والاشتراكي من جهة أخرى وانضم إليهم بعد حين الكتائب والقوات اللبنانية وبقايا قرنة شهوان كأطراف مسيحية وذلك للحدّ من توسع شعبية العماد عون في الأوساط المسيحية، وكي لا يذوبوا في خطابه المتقدم عنهم.

لقد اعتاد الساسة اللبنانيون على لغة المسايرة والمهادنة وذلك للبقاء في مراكزهم ومواقعهم والحفاظ على كراسيهم، فهؤلاء لم يأتوا يومًا بإرادة شعبية بل بإرادات خارجية فُرضت على شعبهم؛ العماد عون ليس ابنًا لـ، أو جزءًا من، هذه الطبقة الحاكمة؛ فهو من الشعب يدرك معاناته ويعرف حقيقة تفكيره، فلا يهادن ولا يساوم مع من رفض عودة مسيحيي الجبل وما زال يحتفظ بأجراس كنائسهم، من سرق أموال المهجرين ليبني زعامة ورقية، لا يحق للعماد عون أن يهادنه للوصول إلى كرسي رئاسة الجمهورية. فابن الأصالة لا يتاجر بشعب ووطن وأرض.

عن ورقة التفاهم لن أقول أكثر مما قيل طيلة هذه الفترة، فإن لم تقتنع، حتى هذه اللحظة، فإنك لن تقتنع أبدًا.

كما وإنني وجدت في كلمة الإجماع اللبناني والوفاق العربي صورة مصغرة عن مفهوم الأنظمة التوتاليتارية أو الديكتاتورية، فإني أسألك، هل تجد الانسجام الفكري والجيو - سياسي بين حزب الله والتيار الوطني الحر حول مفاهيم وطنية لبنانية عريضة لا يستأهل ردة فعل إيجابية من الدول العربية؟! وهل «الإجماع اللبناني»، بحسب قولك، يختزله أمراء الحرب والسلم وسارقي الدولة وناهبي الشعب؟!

إذا كانت ورقة الأمن العام الذي نشرها العماد عون منذ بضعة أيام هي وهمية وتتعرض للشهيد، وابن الشهيد، وأخت الشهيد، وعائلة الشهيد، فهل تستطيع أن تقول لنا في أي خانة تدرج حديث محمد خضر آغا على قناة الجزيرة وقناة الـnbn، وما أورده السفير أبو حبيب في كتابه الأصفر، حول مشروع الحريري: الاستدانة مقابل التوطين والتقسيم والإلغاء؟

إن ورقة الثوابت المسيحية هي انطلاقة حقيقية للحد من هجرة مسيحي لبنان والشرق وإنها فعل مقاوم في بلد تكثر فيه الأقلام المأجورة والأصوات الحاقدة والكلمات المدفوع ثمنها سلفًا.

إن ورقة الثوابت المسيحية، ليست إلا بداية، وإذا وجدت أن حالة العماد عون العصبية تنذر بالخطر، فأطمئنك أن مكمن الداء لا يأتي من ابن الشرف والتضحية والوفاء، بل يأتي من ساسة وصحافيين فيهم من الحقد والأنانية ما يكفي لتزوير التاريخ.

مع خالص احترامي وتقديري

ألكسندر نعمه
22/01/2008


في ما يلي، الكتاب الموجه من الأستاذ نهاد المشنوق إلى دولة الرئيس العماد ميشال عون، وقد نشر في جريدة السفير بتاريخ 21/01/2008:

دولة الرئيس

على غير الشائع من مناداتك بالجنرال ميشال عون وهو اللقب الأحب إلى نفسك وإلى جمهورك، فقد حرصت منذ اليوم الأول لتعرفي إليك في مقر الرئاسة الأولى في بعبدا وحتى زيارتي الأخيرة لك قبل أشهر في الرابية، على مناداتك بدولة الرئيس.

ربما اعتقدت أنت أن هذه عادة لفظية عندي. لكنها ليست كذلك. أردت من مناداتك بدولة الرئيس أن يكون للقبك القدرة على احتواء الكثير من تنوع اللبنانيين، وأن يكون لدورك القدرة على تمثيل كل اللبنانيين.

ذهبت إليك منذ أقل من 20 سنة، ناصرًا، داعمًا، مستنجدًا بانتفاضتك من مقر الرئاسة الأولى. حدثتك عن تمثيلك الفعلي وتوسيعه سياسيًا إلى مختلف مكونات الوطن اللبناني. فعلت أكثر من ذلك وإن كان لم يحن بعد أوان القول أو كتابة التاريخ، صعدت إلى بعبدا مرات عدة مسجلاً اسمًا مستعارًا في دفتر ضيوفك حين لم يكن إلا الندرة من بيئتي يشهرون دعمهم لانتفاضتك، وذهبت إلى أبعد من لبنان محاولاً الدعوة إلى تفهم ما تقوله، وإن كنت في ذلك الوقت وحتى الآن لا تريد لغير جمهورك أن يتفاعل مع ما تقول. كنت وانتفاضتك حماسة شبابي الثانية بعد القادة العاملين في سبيل تحرير فلسطين. لم أتردد ولم أندم على ما فعلته رغم مخاطره، ورغم نفي اختياري لي من لبنان دام لمدة سنتين بعد اغتيال المفتي الشهيد حسن خالد والنائب الشهيد ناظم القادري، والنفي الأمني للرئيس الراحل تقي الدين الصلح. وهم من كنت أعتبرهم أهلي وأساتذتي في السياسة.

كثيرون اعتبروا ما فعلته أنت ـ يا دولة الرئيس ـ في ذلك الحين تعريضا للبنان ولأهله، ومسيحييه على الأخص، لأخطار لا رد لها وسط متغيرات دولية لم تعترف أنت بقدومها ولا رأيت فيها حقيقة لا بد من احتوائها حتى تمر العاصفة. فضّلت المنفى على الوقائع والمستجدات التي جعلت سوريا شريكة في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي وأعطت لرئيسها الحق الدولي في إدارة لبنان سياسيًا وأمنيًا.

تجاهلت الكثير مما قرأته من مقربين لك ألّفوا كتبًا يؤكدون فيها عروضك للتفاوض مع النظام السوري وآخرها ما نشره الوزير السابق ألبير منصور في كتابه عن وثيقة منك حملها إلى القيادة السورية بقبولك إخلاء مقر الرئاسة الأولى في بعبدا، وما قيل من تفاصيل قاسية عن طريقة لجوئك إلى السفارة الفرنسية.

تجاهلت كل هذه الوقائع لسنوات طوال وأقنعت نفسي بأن ما حصل قد حصل. سواء كُتب تاريخه باجتهاد ممن أرادوا الهزيمة لانتفاضتك، أو أن ظروفًا لا أعرفها فرضت عليك التصرف كما فعلت.

بعد 16 عامًا في المنفى عدت إلى بيروت اثر انتفاضة شارك فيها جمهورك مع الغالبية العظمى من اللبنانيين وأدت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان بعد فراغ سياسي كبير حققه اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

قيل ـ وهذا هو الأهم ـ إن شروط عودتك حددت قبل ذلك في اتفاق عقدته مع كريم بقرادوني الكتائبي الدائم، والنائب إميل لحود نجل رئيس الجمهورية. وأن في بنود هذا الاتفاق ما اتضح بعد ذلك من حياد تجاه الدور السوري في لبنان أيًا كان مضمونه ومن تحالف مع أطراف سياسية في مواجهة أطراف أخرى في الملعب السياسي اللبناني.

دولة الرئيس

صحيح أن الانتخابات النيابية التي جرت في العام 2005 جرت على غير هذه القاعدة، فتحالف «حزب الله» مع سعد الحريري وريث والده ووليد جنبلاط و«القوات اللبنانية» بما سمي التحالف الرباعي. وصحيح أيضًا أن الانتخابات أعطتك الحصة الكبرى من التمثيل المسيحي رغمًا عنهم. لكن الدائرة السياسية دارت لتعود الشروط التي قيل إنك وافقت عليها لرجوعك إلى لبنان، إلى صدارة التفاهمات السياسية التي عقدتها.

هذه الوقائع ليست من عندي. بل هي كلام علني لأشخاص لهم حيثية سياسية عاشوا تلك الفترة إلى جانبك وتوسطوا في ما قيل إنهم شاركوا في تحقيقه.

***

ذهبت إلى دارك في الرابية بعد الانتخابات النيابية وقلت لك إن وليد جنبلاط يريد جرّك إلى اشتباك سياسي لا يذر ولا يبقي من الوفاق اللبناني حول شخصك وشعاراتك في الحرية والسيادة والاستقلال. فعلت ذلك متناسيًا ما عرفته قبلاً، إنما ليس في الخفية عن وليد بك. فقد قلت له ما أبلغتك إياه قبل ذهابي إلى دارك.

اندفعت أنت أكثر في الاشتباك على قاعدة مخاطبة المسيحيين بضرورة الصراع مع وليد بك، وأن لهذه الطريقة في المخاطبة أولوية على أي أمر جامع بين اللبنانيين. حقق وليد بك هدفه وألغى ما في شخصك السياسي من عناصر وفاقية لبنانية. فأكملت طريقك في الاشتباك السياسي حوارًا ومذكرة تفاهم مع «حزب الله» الخائب أمله ـ وهذا ألطف التعابير ـ من الحلف الرباعي والمتخوف من أنه على طريق الاستفراد به لولا تفاهمه مع تيارك.

ذهبت إلى دارك بعد الاعتداء الإسرائيلي على لبنان مقدرًا موقفك من الضربات الجوية الإسرائيلية على جسور في منطقة نفوذك السياسي والذي اختصرته بالقول «بالرزق ولا بأصحابه».

راجعت معك بنود مذكرة التفاهم مع الحزب ووجدت فيها ما أردتني أن ألاحظه في شأن العلاقات اللبنانية ـ السورية (التمثيل الدبلوماسي) والسلاح الفلسطيني الواجب جمعه من خارج المخيمات، وهو ما أقر لاحقًا على طاولة الحوار. أذكر أنني قلت لك إن التفاهم مع الحزب يحقق اطمئنانًا ولو مؤقتًا في الوضع المسيحي خاصة بعد الهجمة المدانة من إسلاميين شماليين متطرفين على منطقة الأشرفية ولو للوصول إلى السفارة الدنمركية التي نشرت إحدى صحفها في ذلك الحين رسومًا مسيئة للنبي محمد «صلعم». وأضفت في قولي إن الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا بمزيد من الانفتاح على القوى السياسية الأخرى والطوائف اللبنانية الأخرى أيضًا. إذ أن أهل السنة لا يملكون خيار المفاضلة بين سعد الحريري ومدرسة «القاعدة» التي يعبّر عنها رجلها الثاني أيمن الظواهري في دعوته إلى المسلمين في لبنان وغيره من الدول إلى «الجهاد» في وجه القوات الدولية في الجنوب مثلاً.

هذا الكلام سابق لأحداث «فتح الإسلام» في الشمال ولاعتقالات الأصوليين التي ينشر عنها كل يوم». لذلك فإن زعامة الحريري مطلوبة وضرورية أكثر مما هي منتخبة. واقترحت عليك في ذلك اللقاء أنك إذا وجدت صعوبة مؤقتة في الحوار مع الحريري أو غيره من زعماء الأكثرية فلماذا لا تذهب إلى السعودية أو إلى مصر وتشرح وجهة نظرك بأنك صاحب رأي في لبنان ولست جزءًا من الصراع الدائر في المنطقة. وتطوعت في مفاتحة السفير السعودي في بيروت بشأن الزيارة. ولا أدعي معرفة ما حدث بعد ذلك في مسألة الدعوة لك لزيارة المملكة ثم تأجيل الزيارة. المهم أنني أردت من كلامي في ذلك الحين وأريد من كتابتي اليوم أن أقول لك إن الدور المسيحي في لبنان هو دور «العازل» بين الطائفتين المتخاصمتين. إذ مهما قيل عن مخاطر النزاع المذهبي الإسلامي فإنه قبل كل شيء نزاع سياسي وليس نزاعًا دينيًا. وله ضوابط أكبر من مخاطره، بينما الانضمام المسيحي إلى أحد أطراف النزاع مخاطره أكبر بكثير من ضوابطه.

***

دولتك تعلم أكثر مني أن الانهيار المسيحي التدريجي للسلطة المطلقة في لبنان بدأ عمليًا مع الإجماع المسيحي على كبير متطرفيهم كرئيس للجمهورية في العام ,1982 وأقصد الشيخ بشير الجميل، الذي رفع أيضًا شعار الدفاع عن الحقوق المسيحية طيلة فترة عمله العسكري الطويل والسياسي القصير حتى اغتياله بعد 20 يومًا من انتخابه.

فهل تعتقد الآن أنه يمكن جلب ما تسميه بحقوق المسيحيين عن طريق التحالفـات المخالفـة للإجماع اللـبناني والأخطـر من ذلك للوفاق العربي؟.

أذكر رواية لآخر الحكماء اللبنانيين الرئيس الراحل تقي الدين الصلح عن وسيلة إقناعه لأحد الأقطاب المسيحيين بعدم جواز انتخاب بشير الجميل للرئاسة. سأل الصلح القطب المسيحي ما إذا كانت لديه معلومات عن النفوذ الشعبي للإخوان المسلمين في بعض الدول العربية ومنها مصر فأجابه بالإيجاب. سأله سؤالاً ثانيًا عما إذا كان الإخوان قد استطاعوا الوصول إلى الحكم في واحدة من هذه الدول. فرد عليه القطب المسيحي بالنفي. عندها قال له الصلح لماذا تريدون انتخاب رئيس من الإخوان المسيحيين ما دام الإخوان المسلمون لا يستطيعون الوصول إلى الحكم في بلد مسلم؟

كانت النتيجة سفر القطب المسيحي إلى باريس هربًا من الضغط عليه لانتخاب الشيخ بشير.

أتذكر هذه الرواية وأنا أراك تذهب في خطابك السياسي إلى المسيحيين تستحثهم على تحصيل حقوقهم متجاهلاً بذلك مصالحهم.

وصل بكم الأمر ـ يا دولة الرئيس ـ إلى حد الاستعانة بأرشيف وهمي للأمن العام في العام 2000 لتظهر ورقة لا يهم مدى صحتها كتبها مخبر عن اعتبار الرئيس الشهيد رفيق الحريري التوطين الفلسطيني الحقيقة الوحيدة في تسديد الديون المتراكمة على الدولة اللبنانية.

منذ إبعادك ـ يا دولة الرئيس ـ عن لبنان والبلد مليء بالشائعات والأوهام عن سوء حالتك العصبية، بما في ذلك روايات لرجال في سدة المسؤولية عن تقارير طبية تؤكد الشائعات. هل تتوقع أن تطبع ورقة بتاريخ سابق يوقعها طبيب راحل تأتي على سرد تفاصيل ما جاء في روايات الأجهزة الأمنية السابقة. فيظهرها نائب من كتلة «تيار المستقبل» على التلفزيون باعتبارها وثيقة دامغة.

سعد الحريري لا يقبل بذلك. لكنك استسهلت التعرض لضريح رجل صار في ذمة الله اغتيالاً وظلمًا وعدوانًا استنادًا إلى مخبر صغير أو كبير...

لن أطيل الحديث عن هذا الجانب حرمة لما عرفته منك وعنك منذ 20 سنة.

***

دولة الرئيس

لا بد أنك قرأت ما جاء في مجلة «نيوزويك» الأميركية عن مسيحيي الشرق وتضاؤل أعدادهم في العراق ومصر ولبنان. ماذا فعلت أنت بالمقابل؟

أخذت الموقف المسيحي السياسي إلى حيث لا اطمئنان ولا استقرار ولا أمن له. ومهما جهدت في تفسير صوابية ما جاء في مذكرة التفاهم مع «حزب الله» فإنها بالمعنى السياسي تحالف يوصل إلى تبني الموقف السوري من الفراغ الرئاسي في لبنان مهما كانت الصلة بعيدة بينك وبين القيادة السورية كما يعلن نواب كتلتك.

هذا لا يعني التراجع عن المذكرة ولا المطالبة بمعاداة القيادة السورية. لكن ـ وأكرر هنا ـ ما تفعله ليس الدور السياسي المسيحي المطلوب لإنقاذ لبنان.

الدور المسيحي قائم على الاعتدال والتوازن والحكمة والوفاق، والانفتاح على المجموع العربي وليس الانغلاق على سياسة دون أخرى.

غير ذلك هو ما فعلته في المدة الأخيرة. صحيح أنك اقتنعت متأخرًا بحراسة الجمهورية بدلاً من رئاستها فلم تعد مرشحًا. لكنك في طريقك إلى هذا الموقف أصبت المؤسسات الثلاث التأسيسية في الشأن المسيحي العام.

تناولت بكركي وبطريركها بما لا يجوز تناوله. فرضت على زميلك اللاحق العماد ميشال سليمان زنارا من الضمانات لوصوله إلى بعبدا لا تقل عن مرشح من الخصوم السياسيين. تعاملت مع مسألة الانتخابات الرئاسية باعتبارها عملاً إجرائيًا في السياسة يصح إتمامه في أي وقت دون اعتبار لرمزية الرئاسة ومن غير اندفاع لحماية هذا الرمز...

ما يراه الكثير من اللبنانيين في حركة الكنيسة عبر التاريخ أنها رمز وضمانة للتنوع السياسي ولديمقراطية العمل العام. دون الدخول في الوقائع الأخيرة لقيادة حركة «التحرر» اللبنانية. ودولتك تعلم أكثر مني بالتأكيد أن مئات السنوات من عمر هذا التوجه السياسي للكنيسة في مسألة السيادة والحرية والاستقلال لن يلغيه كلام يذهب به وبصاحبه الزمن مهما طال.

كذلك الجيش. كان أسلم لفهمك على الأقل لدور الجيش وضرورة صيانته وحمايته رفض ترشيح العماد سليمان والتفاوض على واحد آخر من المرشحين بدلاً من الإسقاط التدريجي لصفة التوافق على ترشيح قائد الجيش. أما الاندفاع نحو رمزية الانتخابات الرئاسية فلك أنت أن تراجع ما أحدثه التأخير من فقدان لأهمية الدور الرئاسي اللبناني ولو تدريجيًا، بعد أن وضعت أوهام الحقوق بديلاً عن المصالح التاريخية منها والحديثة.

هل هذا ما أردته من سياستك؟

أترك الجواب لكم ـ يا دولة الرئيس ـ رغم أنني متأكد بأن ما تحقق حتى الآن لا يريده لبنانيو شعاراتكم السابقة.

ودمتم للبنان

نهاد المشنوق
21/01/2008 - جريدة السفير

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008