Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

بين أرامل الموت وصانعي التفاهم
(أنطوانيت نمُّور)

لناظري لبنان اليوم مشهدين متناقضين:

1- مشهد استعراضي من الطراز الحربي:

  • يقوم بهذا المشهد أقطاب السلطة ويقرنوه بمشهدٍ آخر ميداني لكوادر ومؤيدي هذه القيادات يحملون السلاح ويتحوّلون إلى قنّاصي السلم الأهلي في شوارع «أم الشرائع» وفي أحياء المناطق اللبنانيةّ!!

  • وها هو السيد جنبلاط الذي يوّصفه إعلام السلطة برجل القانون بلا منازع، يتأهل بالحرب والفوضى ويهدد بحرق الأخضر واليابس...!! فينكشف وجه «رجل القانون» ليظهر أنه «رجل الكهف» في زمن شريعة الغاب!!

  • ويطل علينا زعيم «الغالبية النيابية حتى إشعار آخر»، يعظنا بالسيادة والتحرير والبحبوحة... وينسى أن الشعب قد ضاق ذرعًا بالأضاليل وقد عرف خير المعرفة تلك الحريرية المباركة من النظام السوري مدة تجاوزت الثلاثة عشر عامًا «ولا أبا لك يسأمِ»!... ويتجاهل أن أكثرية الشعب اللبناني تأبى استغباءها بإقناعها بتحوّل سياسة الدَين الحريرية من «حبل مشنقة اقتصادية» إلى «حبل خلاص»!!! ويتعامى عن أن السواد الأعظم من اللبنانيين أصبح «مؤمنًا» بأن الوعود الانتخابية والموسمية ليست سوى الازدواجية الأفعوية ذات الملمس الناعم والسم القاتل!!

  • ثم يظهر علينا السيد سمير جعجع «غاندي لبنان وقديسه» لينصّب نفسه ممثلاً عن الأكثرية المسيحية: فهو يصرّ على أن الرقم خمسة (نوّاب) يعادل الرقم 21!! وبذلك يصبح جائزًا له المطالبة بوقاحة بإعطاء «القوات» مقدار ما يأخذ العماد عون في التركيبة الحكومية الموعودة، بصرف النظر عن إعادة التوازن إلى سلطة فقدت توازنها منذ ولادة اتفاق الطائف ونُحرت نهائيًا مع انهيار التحالف الرباعي القائم على «قانون غازي كنعان» علمًا أن هكذا تزوير لا يمكن تصحيحه بغير قانون انتخاب جديد وانتخابات مبكرة نزيهة تنتج ممثلين حقيقيين للإرادة الشعبية! كما لا ينسى السيد جعجع أن يتحفنا بتوصيف «لبنانه» الذي لا يتسع إلاّ لمن يوافقه الرأي والرؤية: إنه اللبنان المقسّم على ذاته حيث الرسالة والتعايش يتحولان إلى جنين منازع تقضي عليه قبضة «الحكيم» الحديدية...

2- أما في المقلب الآخر فالصورة تتبدل لتظهر مساعٍ للتفاهم والالتقاء بين فريقين لبنانيين هما الأوسع على الساحة:

  • كان العماد ميشال عون الشخصية التي قدّست سيادة لبنان. وللسائل: ليس هناك من حرب اخترعها ميشال عون، بل هناك حرب فُرضت على الجيش اللبناني عندما ضاعت السيادة والحريات في مجاهل الحروب الميليشيوية العبثية وتحت أقدام حروب الآخرين على أرض الوطن وبعد فشل الدبلوماسيات المزيّفة بإعادة حق لبنان بتقرير مصيره والتمتع بسيادته. لم يقد العماد المتمرد على الذلّ ميليشيا بل قاد جيشًا باسلاً في معركة قاسية لاستعادة القرار الحرّ!! ولكن للأسف كانت الكلمة للقوة وليس للحق في ذلك النهار القاتم، فدفع العماد عون ثمن ثباته في مواقفه السيادية قتلاً وإخفاءً «لأبنائه» من عسكريين ومدنيين في 13 تشرين الأول 1990ونفيًا له ولعائلته ومقرّبين مدة 15عامًا، وتنكيلاً بأنصاره. وقد تزامنت آلام الشعب هذه مع تخمة بالأموال والخيرات السياسية والمادية للطبقة السياسية الحاكمة اليوم كما بالأمس!!

  • في الوقت ذاته، كانت المقاومة تعمل على الجبهة الجنوبية مسطرةً خطوطًا سيادية في موضوع تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وقد قدمت الغالي والنفيس في هذا السبيل حتى إن السيد حسن نصرالله لم يتوانَ عن تقديم ولده مع قوافل الشهداء من أجل التحرير. وطوال هذه الأعوام لم تدخل المقاومة زواريب الفساد المستشري وكانت الضاحية في مقدمة المناطق «المحرومة» فيما زرعت الطبقة المفسدة بالاشتراك مع المحتل السوري فسادًا لا يزال منتشرًا في جسم الدولة الهزيل القائم على أكتاف المواطن الذليل!!

  • خريف 2004، لم تتم الاستجابة لتحرك العماد ميشال عون الذي دعا سوريا إلى خروج مشرّف والطبقة الحاكمة في لبنان إلى طاولة حوار. كل هذا أدى إلى توتّر شديد بين لبنان وسوريا وبلدًا مكشوفًا تسلّل إليه قتلة مرتكبين لسلسلة اغتيالات ومحاولات اغتيال وتفجيرات كما تفاقم اصطفاف حاد قَسَم الشارع اللبناني وقتل وحدة الموقف من موضوع وجب أن يكون جامعًا ألا وهو الاستقلال والسيادة.

  • وبعد هبوب رياح التغيير في الـ2005 وانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية وطي صفحة الانتخابات، قامت المقاومة مطمئنة و«لبننت» مواقفها بعد مذكرة التفاهم بينها وبين التيار الوطني الحر، فأيّدت، من خلال هذه الورقة، مواضيع عدم العودة إلى زمن الوصايات وتصحيح العلاقة مع سوريا وترسيم الحدود وإقامة تمثيل دبلوماسي معها. وهي لم تتراجع قيد أنملة في خوض معركة لبنان ضد الهجمة الإسرائيلية عليه في حرب تموز الـ2006، فوقّعت بدمائها وثيقة الوفاء لهذا الوطن وشعبه الأبيّ. فلا تهديد ولا ترغيب أثنى قادة المقاومة عن عدم تسليم لبنان لورقة محضرّة بين داخل متسلط وخارج طامع!! فالتقى التيار الوطني الحر مع المقاومة على رفض الوصاية واستعادة الأرض والأسرى من المعتدي الإسرائيلي من دون أن ينسى أحباء في السجون السورية في حين كان للمقاومة الشجاعة على قبول تسوية أوضاع اللاجئين اللبنانيين إلى إسرائيل وتصفية القلوب مع باقي أبناء الجنوب. كل هذا انعكس جوًا من الارتياح بين المواطنين القاطنين على جانبي ما كان يسمى بـ«خطوط التماس»!! وسادت أجواء الإخاء ما لم يرق لسياسيي «الحزب الحاكم» الذين انتقلت ولاءاتهم من «الأشقاء» إلى «السفراء»، فقاموا بخلق متاريس سياسية وطائفية وافتعال حملات إعلامية تشكيكية وتخوينية تجاه ورقة التفاهم بين التيّار الوطني الحر وحزب الله والتي كان يجب أن تتسع لتصبح رؤية مشتركة بين جميع الأفرقاء اللبنانيين.

يأتي في الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان» ما حرفيَّته: «...وتفترض حياة التضامن داخل المجتمع الوطني ألاّ يتصوّر أحد أن موقعه الخاص يحتمل أن يسوّغ له البحث عن امتيازات له أو لطائفته بإبعاد الآخرين...» إنه من الواضح أن حياة التضامن الوطني تفترض ثقافة التفاهم وحسن المشاركة والتمثيل. غير أن لبنان اليوم يشهد على النقيض في المقلب السلطوي، يذكرنا بـ«أرامل الموت»: تلك الشخصيات التي تمعن في عالم الموت وتحوّله الى لعبة تتمتع من خلالها بقتل الشريك والقريب ببطء ودهاء شديدين...!!

ونحن، مشاريع الشهادة على الطرقات وفي زوايا هذا الوطن الذي بات فيه الشهداء يصنفون درجات، لا يسعنا إلاّ الترجي والصلاة بأن تنتصر كفة صانعي التفاهم على ثقافة الانطواء: فقط حينها نكون قد بلغنا القيامة ورأينا القبر الفارغ وفرحنا بانتصار المظلوم على الظالم والدم على السيف...

أنطوانيت نمّور
12/2/2008

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008