Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

المهمة المستحيلة التي أوكلت إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري
(ثــائــر)

الجزء الأول:

في البدء كان الحلم السعوديّ أو الاستراتيجية السعودية في لبنان مبنية على فكرة إن لم تستطيعوا أن تسلموا الشعب اللبناني أسلموا الأرض. من هنا ومن هذا المنطلق، انطلق عهد رفيق الحريري بمهمة من نقاط أربع، أجمع عليها السعوديون والأمريكيون ووقف في وجهها السوريون.

والنقاط الأربع هي:
1- توطين الفلسطينيين.
2- سلاح المقاومة.
3- كف يد السوريين.
4- استبدال الدور السوري بالدور السعودي.

من المهم في بداية هذه القراءة أن نؤكد على الحس الوطني والانتماء اللبناني للرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي سوف تلمسونه من خلال متابعتكم لهذه القراءة من خلال النظرة السياسية لمجمل هذا الموضوع.

بدأ عهد الرئيس الحريري في ظل وجود أزمة سياسية واقتصادية صعبة ومؤلمة للشعب اللبناني ما أتاح الفرصة له بأن يستقطب اهتمام جميع مكونات الشعب اللبناني الذي رأى فيه أملاً اقتصاديًا في ظل ما قدمه الحريري من مساعدات إبان انتهاء الحرب الأليمة التي عانى منها الشعب اللبناني.

في السنوات الأربع الأولى للرئيس الحريري، اعتمد خلالها سياسة بناء البنى التحتية وإعادة إعمار بيروت، (التي ظهر لنا بعد مرور أعوام أنها، للأسف، بنيت على أنقاض بعض أهلها الذين ما زالوا حتى اليوم يحاولون جاهدين استرجاع ما يمكن استرجاعه من حقوق مهدورة). وكانت خطة الرئيس الحريري تستند إلى الخطة الأساسية التي من أجلها أتى، وكان يقول في مجالسه بأن المال الذي سوف ننفقه اليوم سوف يعوض لنا به بعد توطين الفلسطينيين في لبنان، وهذا ما جعل الرئيس الحريري يسارع إلى بناء الحجر دون الحفاظ على البشر.

في انتخابات سنة 1996، عاد الرئيس الحريري نائبًا، وبدأت حينها اللعبة السياسية الكبرى (وهنا لا بدّ لنا من أن نستذكر ما كنّا نقوله بأن الرئيس الحريري لم يكن في سنواته الأولى بارعًا في السياسة، وها إنه بعد مرور أربع سنوات على توليه رئاسة الوزراء، نراه اليوم أكثر حنكة). أما الحقيقة في نظري، فهي أن الرئيس الحريري كان يتقصد أن يظهر بهذا الشكل من أجل إنجاح ما أتى اليه من مهمة.

من المهم أن نتذكر المطالعة التي ألقاها الرئيس الحريري في مجلس النواب حين عبَّر عن رأيه بما يختص بالجيش اللبناني قائلاً: «ما هي حاجتنا إلى الجيش إن لم يكن قادرًا على محاربة إسرائيل، وليس بمقدورنا إرساله إلى الجنوب ونحن لسنا بوارد أن نحارب سوريا، فلماذا لا نستعيض عنه بقوى الأمن الداخلي؟».

رفض هذا الأمر من قبل النواب وباءت المهمة بالفشل. هنا كان يريد الرئيس الحريري أن يبدأ بتطويق رئاسة الجمهورية من خلال إسقاط قيادة الجيش والاستعاضة عنها بقوى الأمن الداخلي التي يرأسها سنيّ يتلقى تعليماته من الرئيس الحريري مباشرة. ومن المهم أن نذكر هنا أيضًا أن الدور السوري كان يستند على التساوي ما بين الرؤساء الثلاثة في محاولة منه لإبقاء اللعبة السياسية ضمن ما أسمي بـ«الترويكا» من أجل عدم تفرد فئة في اتخاذ القرارات السياسية (هذا ما لم نعد نلمسه منذ انسحاب الراعي السوري من المعادلة اللبنانية حيث أتى اللاعب السعودي ليغلّب فئة من اللبنانيين على الفئات الأخرى).

إذًا، حتى الآن، وفي ظل وجود الرئيس الراحل حافظ الأسد في سوريا، لم يستطع الرئيس الحريري إنجاح ذاك المخطط الذي أتى من أجله. والجدير بالذكر أيضًا أنه في كل مرة كان يشعر بها السعوديون أن عهد الرئيس الحريري يمر بمرحلة خطر اقتصادي كانت تسارع المملكة إلى دعم الحريري بملايين الدولارات من خلال وضعها في السوق اللبنانية، وكان كل ذلك يتمحور ضمن الخطة، وأن كل هذا المال المنفوق سوف يعوض علينا عندما نوطن الفلسطينيين في لبنان.

الجزء الثاني:

بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد شعر الجميع بنوع من الارتياح. لكن ما حصل في 25 أيار من عام 2000 من انسحاب للجيش الإسرائيلي من الجزء الأكبر من الجنوب، أعاد خلط الأوراق من جديد وشعر الجميع بصعوبة إنجاز ولو جزء صغير من هذه الخطة لأن الشعب اللبناني بجميع مكوناته الشعبية (تقريبًا) كان مؤيدًا للمقاومة في ذاك الوقت وعلى رأسهم وبشكل كبير الشارع السنّي، ما عطل على الرئيس الحريري إمكانية الاستمرار بما أوكل إليه.

وهنا، في رأيي، تمّ الاستعاضة بغبطة البطريرك صفير حيث قام بزيارته الشهيرة إلى الولايات المتحدة، وكانت الزيارة الثانية، (علمًا أن الرئيس بوش لم يستقبله في الزيارة الأولى) فكانت الثانية حيث وافق البطريرك على الخطة وكانت تلك خيانته الثانية بعد خيانة سنة 1990 من شهر تشرين الأول حين بدأ أسوأ كابوس عرفه المسيحيون في تاريخ وجودهم في هذا الشرق؛ وفي تلك الزيارة حمل البطريرك ملف الانسحاب السوري من لبنان وجال فيه على معظم الدول العالمية حيث تتواجد هناك الجاليات اللبنانية، ولكن هذه الجولة لم تنجح لأن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين في الداخل تصدى لها وكان اللافت أن أكثر الرافضين كانوا السنّة حيث تعالت أصوات كثيرة تتهم غبطته إما بالعمالة لإسرائيل أو ما شابه من النعوت التي استوجبت على المسيحيين الرد على كل تلك الاتهامات. (وهنا لا بد لنا أن ندرك لماذا يشعر البعض بأن مواقف البطريرك تبدو وكأنها غامضة في بعض الأحيان، ومنحازة إلى فريق دون آخر أحيانًا أخرى، وثابتة ممانعة لسلاح حزب الله دائمًا ودومًا).

في ظل كل هذا الواقع والتجاذب السياسي، ظهر لقاءان عرف واحد بلقاء «البريستول» والآخر بلقاء «عين التينة» وكان ذلك يتزامن مع موعد الانتخابات النيابية عام 2005 وكان الجميع يراقب تحركات الرئيس الحريري حيث كان يحاول أن يكون صلة الوصل بين عين التينة والبريستول، وكنا نشهد تحولاً في سياسة الرئيس الحريري إما من خلال زياراته المستمرة إلى البطريرك صفير أو من خلال تسريب بعض الكلام عن إمكانية قبول الرئيس الحريري بقانون 1960 حيث يعيد بعضًا من الحقوق للمسيحيين في اختيار ولو جزء من ممثليهم في محاولة منه لاستقطاب تأييدهم له، لكي يحظى بأكبر كتلة له في البرلمان مثلاً، أو لأي اعتبار آخر لا أحد يعلم، لأننا كنا نلمس من الرئيس الحريري في آخر أيامه تكتمًا شديدًا غير مسبوق، فهو لم يصرح علنًا عن رأيه في القانون الذي يريد: إما قانون غازي كنعان وإما قانون 1960 ما أبقى الجدل دائرًا حول هذا الموضوع (والجدير ذكره هنا أن الرئيس الحريري استشهد ولم يعرف أحد أي قانون كان يريد).

في ظل كل هذه الأجواء التي كان يمر بها لبنان، وفي ظل تعاطي نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدَّام شخصيًا بالملف اللبناني، إذ ظهر بعد كل تلك التطورات مسؤولية مباشرة لخدام في أكثر من موضوع ولا سيما إمكانية معرفته،كما أظن، باغتيال الرئيس الحريري، وهنا يلفتني شيء مهم قول النائب السيد وليد جنبلاط لسعد الحريري قبيل استشهاد الرئيس الحريري: «كان والدك يقول لي إما أنا يا وليد وإما أنت، لكنني أستبعد اغتيالي لأنني محصَّن تمامًا، فعليك أن تكون حذرًا في تنقلاتك»(!).

ترى ما الذي كان يخيف الرئيس الحريري؟؟؟ ولماذا قال هذا الكلام لوليد جنبلاط دون سواه؟؟؟ هل فشل المخطط؟؟؟ هل تنبه الرئيس الحريري إلى أن مخططًا كهذا سوف يوصل لبنان إلى الحالة التي وصل إليها بعد اغتياله؟؟؟ ومن هنا ندرك سبب تردد الرئيس الحريري في إعلان موقف محدد من قانون الانتخابات؟؟؟ ما الذي كان يخفيه الرئيس الحريري؟؟؟ هل منعه حرصه على الوحدة الوطنية من الاستمرار في هذا المخطط؟؟؟

الجزء الثالث والأخير:

أسئلة كثيرة لا جواب عليها إلا إذا أمعنا التفكير في ما جرى من أحداث في ظلّ تلك السنوات الثلاث التي تلت اغتيال الرئيس الحريري. وهنا نستقي التالي:

- بعد عملية الاغتيال الغاشمة التي طالت الرئيس الحريري، طبِّق البند الأول من المخطَّط وهو انسحاب الجيش السوري من لبنان.

- تكفَّل السيد وليد جنبلاط بتوجيه حرب كلاميَّة ضد سلاح حزب الله، وضد سيِّد المقاومة، وتزامن هذا الهجوم مع هجوم إعلامي مكثف من أجل ضرب التوافق الإسلامي وبمحاولة الإيحاء بأن السوريين وحلفاءهم هم وراء اغتيال الرئيس الحريري، ما ولّد شرخًا مذهبيًا كبيرًا بين السنّة والشيعة في لبنان ما زالت رواسبه متجذرة في القلوب حتى اليوم.

- حرب تموز وتداعياتها ومراهنة بعض القوى اللبنانية على نتائجها التي أتت بعكس ما اشتهاها البعض والتي لو أدَّت إلى خسارة حزب الله، لا سمح الله، لكنا شهدنا سيناريوهات متغايرة واتهامات لحزب الله بالفوضى أو باغتيال الرئيس الحريري أو ما شاكل من الاتهامات التي كانت الإدارة الأمريكية سوف تمليها على الذين يتكلمون باسمها في لبنان. وما أكثرهم!

- انفراد المملكة العربيَّة السعوديَّة بالملف اللبناني وتغيير دورها من الحَكَم إلى طرف يساعد على تنفيذ الخطَّة التي تمّ وضعها.

- محاولة تطويق رئاسة الجمهورية بغية نقل صلاحيَّاتها كاملة إلى رئيس الحكومة بمباركة فرنسيَّة أمريكيَّة سعوديَّة.

- ظهور مجموعة من الإرهابيين باسم (فتح الإسلام) والغموض الذي لفّ هذه القضية، من الذي أتى بهم إلى لبنان، وعلى خلفية أية قضية أتوا، من الجهة التي سهّلت وصولهم، ومن الذي موّلهم، وما هي المهمَّة الأساسيَّة التي جاؤوا لتنفيذها؟ هل هم جيش السنّة ومهمتهم حماية السنّة من الشيعة ومن حزب الله على وجه الخصوص؟ وما هي خلفية سطوتهم على المصرف الذي كان يموّلهم؟ وما علاقة كل ذلك بالسيد سعد الحريري صاحب ذاك المصرف؟ أو ما قصة المداهمة المصورة تلفزيونيًا من قبل مؤسسات إعلامية تابعة لفريق السلطة دون سواها ترافق القوى الأمنية اللبنانية لتنقل لنا فيلمًا بوليسيًا (وكأنه تلفزيون الواقع) لمتابعة أقوى مداهمة بوليسية لبنانية دون التنسيق الكامل مع الجيش اللبناني في هذه المهمة العسكرية أو شبه العسكرية؟؟؟ (هل أتى قرار سياسي ما، بعد اللقاء الذي جمع الملك عبد الله بن عبد العزيز بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد في المملكة السعودية من أجل وأد الفتنة السنّية - الشيعية في لبنان التي كان من الممكن لها، في حال استفحلت، أن توقد حربًا سنية شيعية على مستوى الشرق الأوسط ككل؟؟؟؟) ما استوجب عملية قيصرية لما أسمي بفتح الإسلام للقضاء عليها بأسرع وقت ممكن، انقلبت هذه العملية إلى حرب نهر البارد التي استشهد فيها أعزّ أبنائنا من الجيش اللبناني، والصليب الأحمر اللبناني، وشرّد آلاف العائلات الفلسطينية؟؟؟

وفي النهاية، ومن دون الدخول في تفاصيل ما تلا من أحداث، نستنتج التالي:

- فشل نظرية الشرق الأوسط الجديد التي ابتدعتها الإدارة الأمريكية.

- سقوط الحلم الإسرائيلي على أثر تداعيات حرب تموز.

- تولي الإدارة الفرنسية الجديدة لشؤون الشرق الأوسط.

- كف يد المملكة السعودية في لبنان من خلال اتفاق الدوحة الذي أعطى لدولة قطر دورًا ما، ولو غير مباشر، في إرساء حل في لبنان، ما أثار غضب السعوديين الذين ما زالوا يحاولون إثارة بعض المشاكل في طرابلس والتي نتمنى أن تنتهي إلى غير رجعة.

وهنا أود أن أطرح بعض الأسئلة التي أريد توجيهها إلى النائب سعد الحريري، علَّه يُمعِن فيها قليلاً ويحاول الإجابة بينه وبين نفسه عن بعض منها:

1- هل من الممكن أن نتصوَّر أن الرئيس الحريري كان ليقبل بكل ما حصل في لبنان في هذه السنوات الأخيرة؟؟؟

2- هل كان ليقبل بأي عدوان إسرائيلي على لبنان كحرب تموز؟؟؟ وهو الذي وقف إلى جانب سماحة السيد في عام 2000 يستقبل اللبنانيين المحررين من السجون الإسرائيلية؟؟؟

3- هل كان ليرضى بأي شرخ بين اللبنانيين عامة والمسلمين خاصة؟ وهو الذي كان يحاول الجمع بين قوى البريستول وعين التينة؟

4- هل كان ليوفّر الدعم لأية أصولية أيًا كان انتماؤها أو أيًا كان توجُّهها، في وجه الوحدة الوطنية التي كان يؤمن بها الرئيس الشهيد؟

ثـائـر
12/10/2008

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008