Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

أكذوبة البرلمان العربي
(وليد المحب)


أسبوع مرّ على اجتماعات اللجان المنبثقة عن البرلمان العربي الإنتقالي في دمشق، وقد تردَّدت طيلة هذا الأسبوع، هل أكتب عمَّا يراود خاطري حول البرلمان المزعوم أم أتجاهل اجتماعات لجانه كي أريح نفسي من الإحساس بالسلبية والتشاؤم؟ بين أرق الكتابة والإمتناع عنها دخلت في دوامة انتهت إثر الواقعة التالية:

بكلّ تهذيب ولباقة، اقترب مني صاحب مطعم الفول ليسألني: «عفوًا أستاذ، هل أنت راض عن خدمات مطعمي، سواء على صعيد النظافة أو الجودة أو أي شيء آخر؟ دلني إلى الثغرات كي أتطوّر». في تلك اللحظة حسمت الأمر وقرّرت أن أكون على الأقل بمستوى وعي بائع الفول الذي بدى لي أكثر وعيًا من أولئك الذين قرَّروا إنشاء البرلمان العربي.

كم من إنسان عربي صاحب صنعة سبق أعضاء برلمانات وأصحاب مناصب ووجاهات في الصِّدق مع الذات وفي احترام سنن التطور الحقيقي. وإذا دلّ إنشاء البرلمان العربي - في هذا الزمن العربي - على شيء، إنما يدلّ على واحد مما يلي: تآمر جديد على مستقبل الأمة، حيث أن إنشاء كيان يرفع شعارات من دون الأخذ بأسباب تحقيقها، إنما هو عقبة كأداء في طريق تحقيق أي شيء من تلك الشعارات. أو تكاذب مشترك، حيث ان إعطاء صورة وردية عن واقع سيء، إنما هو دليل على عدم إكتراث بواقع الأمة، وهذا يشبه القفز في الهواء من قبل أشخاص أنانيين لا يضيرهم شيء أن يطيروا من بلد إلى بلد ومن مؤتمر إلى آخر فيما شعوبهم في الأسفل مسحوقة تعاني الأمرين. أو استيلاب حضاري، حيث أن الشعور بالدونية تجاه الغرب أوجد لدى أصحاب القرار في عالمنا العربي رغبة جامحة في المحاكاة عن طريق التقليد الأعمى لما خلص إليه ذلك الغرب، هكذا، بعملية تلبيس بسيطة دون أي إعمال للعقل ودون بذل أي جهد.

من بين الإحتمالات الثلاثة المذكورة، وقد تكون كلها صحيحة، يبدو الإحتمال الثالث «الإستيلاب الحضاري والشعور بالدونية» أكثر تطابقًا مع الواقع، سيما وأن رئيس البرلمان العربي الإنتقالي «محمد جاسم الصقر» قالها بصراحة في مقابلة على إحدى الفضائيات عام 2005: «إذا تمكنا من إنجاز 10% مما أنجزه البرلمان الأوروبي نكون قد نجحنا».

عفوًا يا أستاذ محمَّد، هذه ليست واقعيَّة أبدًا إنما هي هزيمة نفسيَّة. ولا أدعوك هنا - بعد مرور ثلاث سنوات على كلامك - لتطمح إلى إنجاز 20 أو 30 أو حتى 100% ممَّا أنجزه البرلمان الأوروبي، إنما أدعوك إلى احترام عقول أبناء الأمة، فالشعب العربي لم يختر أحدًا من نواب البرلمان العربي. ليس هذا فحسب بل إن العيوب تمتد على مستوى البرلمانات القطرية، فهل يصوّت الجائع إلا لمن يطعمه؟ وهل يصوّت العاطل عن العمل إلا لمن يوظفه؟ ما لم ينعم الشعب العربي بضرورات العيش الكريم لا يصحّ الحديث عن صناديق اقتراع، فما بالك ببرلمان نزل على الأمة العربية بالـ«باراشوت؟» هذا ليس برلماناً عربيًا إنما هو مجموعة منتدبين من برلمانات محليَّة لصياغة وجه جديد من أوجه التكاذب... عفوُا «العمل العربي المشترك».

يدرك رئيس البرلمان العربي الانتقالي أكثر من غيره أن هذا المشروع «شي فاشل»، وإليكم الدليل: خلال الدورة الأولى لهذا البرلمان والتي انعقدت في القاهرة عام 2005، بدأ التخبط بين ممثلي البرلمانات العربية. وتأكد الفشل ليس بسبب التخبط بل بسبب الطريقة التي اعتمدها الأستاذ محمد جاسم الصقر في تعاطيه مع ذلك التخبط. وفي الوقائع إن ممثلي البرلمان الكويتي طالبوا آنذاك بأن يكون للبرلمان العربي استقلالية خاصة وأن يعمل بعيدًا عن الحكومات العربية وأن يركز على إيجاد أفضل السبل لحل مشاكل وهموم الشارع العربي. طبعًا هذا كلام جميل كنت سأعجب به لو لم أقع سابقًا ضحية قمع كويتيّ رسمي في ظلّ صمت نيابي مريب. ورغم أن الحكي ببلاش، لم يرق الكلام الكويتي للوفد المغربي الذي شدّد على عدم جواز العمل بعيدًا عن السياسات الرسمية للحكومات العربية، هل تعلمون كيف تصرف رئيس البرلمان العربي الإنتقالي إزاء تلك المشكلة؟ بكل بساطة طلب الإنتقال إلى البند التالي.

كم كان عظيمًا هنري فورد حين قال: «بدلاً من تجنب المشاكل يجب علينا أن نواجهها ونرحّب بها ومن خلال التفكير الصحيح نجعلها تعود علينا بالنفع والمكسب». وسامح الله الأستاذ محمد جاسم الصقر الذي تجنّب أول مشكلة صادفته في أول جلسة لبرلمانه، فاعتبرها غير موجودة ومارس سياسة النعامة، معفيًا نفسه وزملاءه من التفكير الصحيح، دون اكتراث بتحقيق أي نفع أو مكسب، وأيّ مكسب بنظر الصقر أعظم من أن يستمر البرلمان العربي ومن أن يكون هو رئيسه؟

انتصب رئيس البرلمان العربي الإنتقالي واقفاً وأعلنها مدوّية في الدورة الأولى: «دور تشريعي ورقابي للبرلمان العربي أو أترك موقعي!!!» واليوم نسأل رئيس هذا البرلمان: «هل لك أن تعطينا ملامح الدور التشريعي والرقابي الذي طالبت به عام 2005 ونحن اليوم على أبواب العام 2009؟ أم أن حياة الشعوب لا تقاس بسنوات قليلة؟ أم إنك متمسك بالتراث العربي وتأخذ من جحا أمثولة تعهّده بتعليم حمار الملك النطق خلال ستين سنة حيث الموت سيذهب حتمًا بالمساءلة مع غياب السائل أو المُساءَل أو موضوع السؤال؟».

ختامًا، إن كلمة الحق ترفض أن تظل حبيسة، وما تحجبه غالبيَّة وسائل الإعلام تكشفه المواقع الإلكترونية وبعض الصحف المشهود بمصداقيتها. وكم بات ضروريًا التنسيق بين المنابر الحرة لتشكل مع بعضها منظومة أكثر كفاءة في مواجهة المتلاعبين بالقضايا المصيرية، ولترسيخ الإيمان بأن التغيير الحقيقي لا يكون إلا بإصلاح العقليات والنفوس.

وليد المحب
رئيس جمعية صون حق التعبير - بيروت
17/11/2008

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008