Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

إنتخابات طالبيّة أم مطايا سياسيّة؟
(وليد المحب)


شكلت الانتخابات الطالبية داخل الجامعات في لبنان مادة دسمة لوسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، وقد انشغل فيها الزعماء كما الطلاب بل وأكثر، وهذا ما يجعل العمل الطالبي في لبنان ليس فقط عديم الجدوى إنما يحوّله إلى عبئ إضافي وعثرة أخرى في طريق بناء الوطن. ومع هذه الممارسة السياسية الخاطئة التي تستبيح النشاط الطالبي وتنحرف به، نكاد لا نجد زعيما لبنانيا ينأى بنفسه عن هذا المنزلق.

هناك واجبات وطنية كثيرة يجب على كلّ لبناني أن يتحرّاها ويدلو دلوه حيالها، وتنطبق على الطالب بشكل خاص مقولة «ما لم تكن جزءًا من الحلّ فأنت جزء من المشكلة». ولأنني عايشت تجربة الإنتخابات الطالبية تصويتا وترشّحا، تارة بالفوز وتارة بغيره، أشعر بالواجب في الإضاءة على ما يمكن فعله لمعالجة أوجه الخلل التي تصاحب هذا الحدث السنوي. ورغم مضيّ حوالي خمسة عشر عامًا على تجربتي فإن واقع تدخل الزعماء ما زال على حاله لغاية اليوم، بل بات يأخذ مع توالي السنين شكلاً أكثر فضاحة.

لاحظت من خلال تجربتي أن الغالبية العظمى من الطلاب تشعر ضمنًا بما يجب أن تكون عليه الأمور، وذلك بفطرتها السليمة. إلا أن الطلاب في تلك المرحلة العمرية تجد لذة في قدح الآراء وخوض النقاشات، وهي في الحقيقة - والعتب الأكبر على وزارات التربية السابقة المتعاقبة - غير محصّنة بما يكفي فكريًا، بسبب غياب المعيار السليم لوزن الأمور وهو معيار الولاء للوطن. فنجدها من جهة تقع تحت تأثير هيمنات فكرية متعددة ومتضاربة، ومن جهة أخرى تفتقر إلى القدر اللازم من مهارة التعبير وإلى الآليات الضرورية كي يؤتي تعبيرها أكله على نحو تتحول معه المكنونات إلى وعي ومن ثمّ إلى ممارسة إيجابية وحضارية.

من المُهمّ جدًا استذكار مبرّر إجراء الإنتخابات الطالبية، فالغموض الحاصل لدى عدد كبير من الطلاب حول دافع تشكيل مجالس طالبية داخل الجامعات يجعلهم ألعوبة بين أيدي الزعماء. وإذاك يتمّ تسخير النشاط الطالبي من خلال بعض الطلاب الحزبيين الذين اعتادوا على الإنقياد الأعمى وراء زعمائهم دون اكتراث بأية مصلحة غير تلك التي يُشير إليها الزعيم، بما في ذلك مصلحة الوطن. فما بالنا بتفهّم مشكلات التعليم، ورعاية مصالح الطلبة، وتوفير شروط أفضل للإرتقاء بكل ما يَمُتّ إلى الطلاب بـِصِلة، بدءًا بعلاقاتهم مع إدارات جامعاتهم، مرورا بعلاقاتهم مع أساتذتهم، وصولاً إلى كشف نقاط الخلل على مستوى الجامعات، والكليات داخل الجامعات، وحتى الصفوف داخل الكليات، ووضع الخطط المحلية اللازمة لكل تحسين تشيرُ الحاجة إليه؟

في المجتمعات المتحضرة يَسهـُلُ على الإنسان التوفيق بين ارتباطاته المتعدّدة، أي بين العائلة، المنطقة، الطائفة، المذهب، النقابة، النادي، التجمّع، الرابطة، الجمعيّة، الجامعة والحزب... ونجدُ المُواطنَ الصالحّ هناكَ يُحسِنُ التوفيق بسهولة بين ارتباطاته كلها، ويحافظ أينما حلّ على أطيب العلاقات مع جميع زملائه، دون طغيان لأي ارتباط على آخر. ففي إطار النقابة يبذل كل فرد جهده ويتعاون مع الآخرين لإعلاء شأن المهنة، وفي إطار العائلة يسعى إلى جمع الشمل وتوفير التضامن، وفي إطار الجمعية يسعى إلى بلوغ الأهداف المُبيّنة في النظام الأساسي. أما الحال في مجتمعنا فليس كذلك أبدًا، فالزعيم عندنا يجحذ سيف المذهب ويركب صهوة الطائفة ويطلق لها العنان كي تذهب بجموحها فتكاً وهتكاً بالعائلة، النادي، الرابطة، النقابة، الجامعة... وكلّ مكونات الوطن.

لقد وصلت الممارسة السياسية في لبنان إلى الدرك الأسفل، ولطالما صادفنا عبارة «التوحّش» في قراءاتنا عن الليبرالية. أتذكرون عبارة «الليبرالية المتوحشة والأنظمة العربية السائرة في ركابها؟» تعالوا نقرأ ولو لمرة واحدة في واقعنا وندع الكتب جانبًا في لحظة صدق مع النفس ومع الوطن. أولسنا نعيش في لبنان تحت هيمنة «زعمائية متوحشة؟» وهل يرضى اللبنانيون أن يسيروا في أي ركب على حساب الوطن؟

ولئلا نظلم أحدًا، لا نريد أن نصوّر زعماء لبنان الحاليين على أنهم أعداء وطنهم، فهم بالنتيجة أبناء هذا المجتمع ونتاج حراكه. إلا أن الاستجابة العمياء التي يلقاها كلّ زعيم من قبل أتباعه تقوده مع مرور الوقت إلى الإعوجاج، فيتحول إلى حاكم بأمره، تمامًا كما جاء في الوصف البليغ الذي قدمه الشاعر اللبناني خليل مطران عن علاقة كسرى برعيته إذ قال:

ما كان كسرى إذ طغى في قومه إلا لمــا خـَلـَقــــوا فـيــهِ فـَعـّـــالا
هـُم حَكـّمــوهُ فاسـتـَبَـدّ تـَحـَكـّمــاً وهـُم أرادوا أن يَصُـولَ فـَصــالَ

ولأن الإعوجاج لدى زعيم هنا يقابله إعوجاج مماثل لدى زعيم هناك، نصبح أمام حالة «لا تعايرني ولا أعايرك» فيبدأ تطبيع كل وضع غير طبيعي، وسرعان ما تتقبله غالبية الناس من منطلق أنه بات حالة عامّة. والتساؤل بديهي هنا حول دور وسائل الإعلام التي هي في ذلك فئتين، الأولى لا تدرك حقيقة دورها فتنام، والثانية لا تريد ان تلعب الدور المطلوب فتنام أيضًا. وإذا حصل ان استفاقت إحدى الوسائل الإعلامية فإنها - للأسف الشديد - تبدأ بصبّ الزيت على النار من خلال التهييج وتعزيز الإصطفافات.

مِن المُهمّ جدًا إدراك غايات الزعماء الكامنة وراء اهتمامهم المتزايد بالإنتخابات الطالبية، حيث انهم يعتبرون الجامعات مناطق نفوذ وأطرًا ملائمة لعرض العضلات. ومن خلال الطلاب يسعى الزعماء لاستمالة أسر الطلاب أيضًا، تلك الإستمالة التي يُرجى منها ان تـُتـَرجَمَ في نهاية المطاف إلى أوراق تسقط داخل أقلام الإقتراع يوم الإنتخابات النيابية. أضف إلى ذلك أن الزعماء ينظرون إلى الجامعات أيضًا على أنها مراكز جذب واستقطاب لتنسيب ما أمكن من شباب جدد إلى أحزابهم أيضًا، إدراكاً منهم بأن العنصر البشري هو وقود استمرار الزعامة.

هذه هي المشكلة، أما عن سبل معالجتها فأعتقد أنه من الواجب الشروع بما يلي:

أولاً - إخضاع الإعلاميين لدورات تدريبية خاصة بحيث تتشكل لديهم قناعة تامة بأن النشاط الطالبي هو نشاط مقدس بالمعيار الوطني، ليبدأوا بتفريغ تلك القناعة في المجتمع وبين الطلاب، وذلك بفضح أي تدخل من قبل الزعماء. فكما أن المال السياسي يشوّه صحّة التمثيل في الإنتخابات النيابية فإن تدخـّل الزعماء السياسيين يشوّه صحّة التمثيل في الإنتخابات الجامعية. لذلك يجب أن يمتلئ الإعلامي قناعة بان واجبه يفرض عليه ليس فقط نقل الأخبار والوقائع من داخل الجامعات بدقة وحيادية، بل يفرض عليه أيضا خلق سلوك جديد والترويج له.

ثانيًا - إقناع القيمين على وسائل الإعلام بوجوب إزالة الحواجز من أمام كلّ طالب أو مجموعة طالبية تنشط داخل أية جامعة كي تحصل على منبر تعبر من خلاله عندما تشاء عمّا تشاء، فعلى وسائل الإعلام المطبوعة أن تفرد صفحات لهذه الغاية، وعلى المرئي والمسموع أن يتيح لذلك فترات من الأثير.

ثالثاً - توفير الحماية اللازمة للطلاب المستقلين، لأن أتباع الزعماء لا يستسلمون بسهولة، وإذا ما شعروا بإمكانية ضياع زمام الأمور من بين أيديهم فإنهم على الأرجح سيستشرسون.

رابعًا - توفير بيئة الأمان داخل حرم الجامعات والتصدّي للشائعات التي تضخـّم خطورة الوضع من طراز «بكرى رح يصير الدم للرّكب» أو على شاكلة الاتصالات التي ترد إلى أمّهات الطلاب «إذا أصرّ ابنك بكرى يجي عالجامعة ودّعيه منيح لأنـّه لن يرجع إلى البيت»، تلك الشعارات والتهديدات التي يطلقها أتباع الزعماء عشية الانتخابات عادة في أوساط الطلاب المستقلين بهدف حمل أكبر عدد ممكن من الطلاب المستقلين إلى التغيّب في اليوم التالي، ليُحكم مطلقوا تلك الشائعات والتهديدات سيطرتهم على مسار الاقتراع بقدر أكبر.

وفيما يلي بعض ملامح السلوك الجديد الذي ينبغي على وسائل الإعلام أن تخلقه وتروج له. أحياناً، يعتقد بعض الطلاب أنهم بالانصياع إلى رغبات الزعيم يتحوّلون إلى محط أنظار ويحصلون على شيء من النفوذ، وأحياناً أخرى يتوهّمون بأنهم سيحصلون على أسئلة الامتحانات من الأساتذة الذين يدورون معهم في فلك الزعيم ذاته. وهم في الحالة الأولى ليسوا أبطالاً، بل إنهم اختاروا الطريق الأسهل وعفوا أنفسهم من واجب التغيير والارتقاء. أما في الحالة الثانية فهم واهمون إضافة إلى كونهم منحرفون لأن مجرّد التفكير بالحصول على أسئلة الامتحانات إنما هو عار وغشّ لا يرضى به طالب العلم الحقيقي. وهاتان النقطتان ينبغي أن تكونا محلّ عناية خاصّة لدى وسائل الإعلام.

ختاماً، كلمات ثلاث لا بدّ من توجيهها إلى إدارات وسائل الإعلام، الطلاب والزعماء؛ تستطيع وسائل الإعلام إذا ما تمتـّعت بالوعي والنيّة الصادقة أن تساهم في الضغط باتجاه تصويب الممارسة السياسية في لبنان انطلاقاً من الأنشطة الطالبية. ثم إذا ارتضى الطلاب أن يكونوا لقمة سائغة بين أنياب الساسة فماذا نرجو من فئات المجتمع الأخرى؟

وأخيرًا، هل يتقي الزعماء ربّهم في وطنهم ويقتنعوا بوجوب التزام حدود دورهم فيتركوا الجامعات والنقابات لتلعب دورها كقوى ضاغطة Groupes de pression دون أن تتحول إلى قوى مضغوط على أمرها؟

وليد المحب
رئيس جمعية صون حق التعبير
24/11/2008

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008