Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

ملامح سفارتي لبنان وسوريا
(وليد المحب)


أيام قليلة تفصلنا عن منعطف هام في تاريخ العلاقة بين لبنان وسوريا، إذ ستقوم قبل نهاية هذا العام بحسب ما جاء في تصريحات الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد سفارتان إيذاناً ببدء التمثيل الدبلوماسي بين البلدين. هاتان السفارتان ستقولان بحجرهما الأصمّ أن شعبهما ليسا شعبًا واحدًا في دولتين، بل شعبان متمايزان في دولتين سيدتين ومستقلتين.

رحم الله رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري الذي نشأ على عقيدة عروبية ترفض وجود حدود فاصلة بين بلد عربي وآخر، ونتذكر في هذه المناسبة أجدادنا الذين نشطوا تحت مسمى «مؤتمر الساحل» والذي أعلنوا من خلاله رغبتهم في أن تكون بلاد الشام دولة واحدة. ولا ننسى أنطون سعادة الذي نجح في إقناع أبرز عقول المنطقة بضرورة العمل على إقامة سوريا العظمى على امتداد مساحات الهلال الخصيب. ينام أولئك جميعًا في مراقدهم بعد أن تاهت سفنهم التي أبحرت طيلة سنوات عمرهم باتجاه معاكس لما اشتهته رياح «سايكس بيكو»، تلك الاتفاقية التي ما زالت مفاعيلها تعصف وتتحكم بمنطقتنا حتى يومنا هذا، مستفيدة من خوف مسيحيي لبنان الذي نفهمه حيال الذوبان في المحيط.

كل اللبنانيين اليوم - من حيث المبدأ - مقتنعين بأن لبنان هو وطنهم النهائي، حتى أولئك الذين كانت لهم آراء مغايرة فيما مضى، ما لبثوا أن أحبوا لبنان «الوطن» بعد التجربة، على الرغم من كل المرارات التي ابتلي بها هذا الوطن.

كثيرة هي الأسباب التي جعلت اللبنانيين على اختلاف مشاربهم يطالبون بتبادل سفارات بين لبنان وسوريا، بعضهم يرى أن ذلك هو الحال الطبيعي الذي يجب أن تقوم على أساسه العلاقات بين الدول، وبعضهم رأى في ذلك أمرًا ضروريًا لتفادي تكرار الأخطاء التي شابت العلاقة بين البلدين جراء ممارسات أشخاص من هنا وهناك. ولأن مزيجًا من المشاعر ينتابنا ونحن ننتظر هذا الحدث التاريخي، نطلق عنان المخيلة لاستشراف ملامح تلك السفارتين.

أما بالنسبة إلى سفارة سوريا لدى لبنان، فمن المتوقع أن تكون مميزة عن سائر السفارات، ذلك أن الشخصيَّة الأنشط في السفارة لن تكون السفير بل هما ملحقان يعملان إلى جانبه، الأول إعلامي والثاني عسكري، على اعتبار أن الملحق الإعلامي ستوكل إليه المهمة الإستخباراتية بحلتها الجديدة والملطفة، أما الملحق العسكري فسينشط جدًا بحسب مقتضيات فكرة واحدة مفادها أن لبنان هو الخاصرة الأضعف لسوريا، سواء لجهة احتمال نشوب حرب مع إسرائيل، أم لجهة هاجس نظام الحكم السوري التاريخي المعبر عنه بمقولة «تصبحوا على انقلاب يخطّط له في بيروت».

يأمل قسم كبير من اللبنانيين ان يكون مبنى السفارة السورية في بيروت أمام حديقة عامة، أو على الأقل أمام فسحة تتسع لجموع المعتصمين الذين لن يغادروا المكان حتى تتحقق مطالبهم، والمطلب الحاضر في الأذهان اليوم بلا شك هو إطلاق سراح المعتقلين السياسيين اللبنانيين في السجون السورية.

وأما بالنسبة إلى سفارة لبنان لدى سوريا، فلا شك بأن التشريفات ستكون هي شغلها الشاغل. فطاقم السفارة سيقضي أوقاتاً طويلة في الإستقبال والتوديع في مطار دمشق وعند نقاط عبور الحدود. ذلك أن زيارات المسؤولين اللبنانيين لا بد لها من أن تتواصل، وكل ما يمكن أن يطرأ عليها هو إلباس بعضها لبوسًا بروتوكوليًا.

نتمنى أن لا تكون خطوة التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا سببا في تقريب فكرة تقسيم لبنان إلى الأذهان. فبين اللبنانيين والسوريين كثير من كل شيء؛ حب، كراهية، مصاهرة واقتتال، وهذا كله عرفه اللبنانيون فيما بينهم عبر تاريخهم.

آهات دريد لحام في مسرحية كأسك يا وطن هي رجع الصدى لضمير كل عربي شريف. نعم، ليس من دواعي السرور أن يصار إلى تكريس الحدود المادية والمعنوية بين أبناء أمة تنطق بلغة واحدة، وتندرج في إطار ثقافة واحدة، وتتهددها مخاطر واحدة، لكن المثل اللبناني يعبر عن حالنا اليوم قائلاً: «شو اللي جبرك عالمر؟ قال الأمرّ منو».

ختامًا، إن أمتنا العربية أولى من أوروبا في الاندماج داخل وحدة حقيقية، لكن أسباب نجاح الوحدة ما زالت غائبة تمامًا كما كانت عليه في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. والأمل أن ينعم الله على أمتنا بحكام يعملون على أنسنة أنظمتهم السياسية، ويكرسون ديمقراطيات صادقة داخل بلدانهم، ويتعاونون بصدق مع محيطهم الخارجي، ويزهدون بكراسي الحكم وصولاً إلى تفريغ قدر من السيادة لصالح الوطن الأكبر، عندئذ فقط يمكننا الحديث باطمئنان عن وحدة جادة وقابلة للحياة، وكذلك عن إزالة الحدود المادية والمعنوية من المحيط إلى الخليج. فقد علمتنا تجربة سوريا في لبنان أن الوحدة العربية لا يمكن أن تقوم على أساس الهيمنة والوصاية، كما علمتنا تجربة العراق في الكويت أن تلك الوحدة لا تنجح بفعل النار والحديد.

وليد المحب
رئيس جمعية صون حق التعبير- لبنان
7/12/2008

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008