Free Opinions

 Sky Main Page »

 Free Opinions index »

هل تخرق المقاتلات اللبنانية أجواء تل أبيب؟
(وليد المحب)


يرغب كل إنسان في أن تمتلك بلاده ما أمكنها من عناصر القوة والمنعة، سيما في هذا العصر الذي لا مكان فيه للدول والجماعات الضعيفة. ولكن هل أن عناصر القوة، سيما العسكرية منها، تخضع لمقاييس ومعايير موحدة عبر بلدان العالم كله؟ أغلب الظن «لا» ولبنان أوضح مثال على ذلك.

عاش اللبنانيون ردحًا من الزمن في ظل مقولة «قوة لبنان في ضعفه»، ثم أثبتت الأحداث المتتالية عدم صوابية تلك المقولة، وجاءت تجربة المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي لتؤكد أن القوة العسكرية بما تنطوي عليه من إعداد وتدريب وإخلاص وإيثار وحسن إدارة هي الأنجع في التعامل مع الإحتلال. إلا أن هذا يظل دون إقرار جميع اللبنانيين بأن قوة وطنهم تكمن في مقاومته، ولأصحاب هذا الرأي توجسات جديرة أن تؤخذ بعين الإعتبار وأن يصغى إليها بصدر رحب، كي تعالج بصيغة نأمل أن يصار إلى ابتداعها على طاولة الحوار المرتقبة، ولكن حتى ذلك الحين ينبغي على اللبنانيين أن لا يكفوا عن البحث وراء المكمن الحقيقي والمجمع عليه لقوة وطنهم.

شريحة من اللبنانيين أخذت على عاتقها إنهاء الوجود الإسرائيلي في لبنان وتحقق ما أرادت، وشريحة أخرى منهم أخذت على عاتقها إنهاء الوجود السوري في لبنان وتحقق أيضًا ما أرادت. صحيح أن الوجودين طالا لسنوات عديدة، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن لبنان يمكنه أن يكون الصوت لا صداه، وأن يفرض إرادته عندما يتلاقى أبناؤه فيما بينهم. ولقد أثبت تلاقيهم تلك الحقيقة على الرغم من أنه لم يكن شاملاً، أفلا يكون حال اللبنانيين أفضل لو كان تلاقيهم تامًا، شاملاً ومستديمًا؟

يكذب اللبنانيون على أنفسهم إذا تصرَّفوا على ان لديهم دولة كاملة الأوصاف في وقت لا تزال فيه الكثير من الشروط غائبة، ومتى توفرت تلك الشروط يكون فرح اللبنانيين مبررًا حيال حصول دولتهم على طائرات «ميغ 29» التي جادت بها روسيا مؤخرًا على الجيش اللبناني. لقد فوجئ اللبنانيون بهذه الهبة الروسية الضخمة على نحو دفعهم إلى الذهول، تمامًا مثل طفل يتمنى الحصول على كرة ثم يأتي أحدهم ليقذف إليه بمنطاد دفعة واحدة.

في الحديث عن الطائرات، نجد أن المواطن اللبناني «ما عنده كبير إلا الله»، ولا يعرف المستحيل سبيلاً إلى عقله كما لا يعرف الهوان سبيلاً إلى نفسه. إن طموحات اللبنانيين الجوية ليست غائبة، لطالما أرسلت إسرائيل طائرات «إم كي» لتصور مواقع المقاومة، وبما يشبه مبدأ المعاملة بالمثل المتعارف عليه في العلاقات الدولية، أرسلت المقاومة طائرة «مرصاد 1» في أواخر العام 2004 وجابت أجواء بعض مستوطنات العدو الشمالية ورجعت «تتمختر» حتى وصلت إلى أحضان مطلقيها. في ذلك الحين جن جنون مسؤولي الدفاع الإسرائيلي وأقروا بوجود ثغرات في أجهزتهم، حملتهم على اتخاذ إجراءات زعموا معها أن الذبابة العابرة فوق أجوائهم بعد اليوم سيتم رصدها واعتراضها في أولى لحظات عبورها سماء الحدود. وكانت النتيجة أن طائرة «مرصاد 2» في بدايات العام 2005 اجتازت الحدود وجاءت بصور لمدن ومواقع أبعد وأدق بالمقارنة مع التجربة الأولى، وسمع كل من كان في جنوب لبنان صوت «مرصاد 2» الهادر وهي راجعة إلى لبنان حتى قال الجنوبيون تندرًا «يبدو أن الشباب مركبين موتور غسالة»، ما يدل بوضوح على هشاشة الإجراءات الإسرائيلية.

وعلى الرغم من ذلك، يقدِّم لنا التاريخ دروسًا مفيدة جدًا، عار علينا أن لا نعيها، ذلك أن 309 طائرات كانت رابضة في 9 مطارات مصرية تم استهدافها وتدميرها من قبل التشكيلات الجوية الإسرائيلية خلال ثلاث ساعات في حرب العام 1967 التي أطلق عليها خطأ تسمية «حرب الأيام الستة». فهل سيتمكن لبنان من حماية طائراته العشر الجديدة وهو لا يملك أكثر من مطار حربي واحد مستوف للشروط؟ ودرس آخر تقدمه لنا التجربة الأرجنتينية، وهو يعود لحرب جزر الفوكلاند عام 1982 عندما ألقت المقاتلات البريطانية كرات حديدية على مدارج المطارات الحربية في الأرجنتين، لقد أحدثت تلك الكرات فجوات حالت دون تمكن المقاتلات الأرجنتينية من الإقلاع أو الهبوط، ليحصل تمامًا ما حصل مع الجيش المصري من قبل؛ في البداية شل القدرة الجوية مع ما لذلك من إخلال هائل بميزان المعنويات لدى طرفي القتال، وبعد ذلك تصبح الحرب مجرد نزهة أو لعبة «غايم» كما في الـ«بلاي ستايشن».

لقد أثمرت الويلات التي حلت بشعب لبنان ثقافة عسكرية لا بأس بها، ومعرفة كبيرة بعدوّهم. وبات كل لبناني يدرك أن مقتل أي جيش نظامي هو الحرب الشعبية، مقاومة تتمتع بملاذ آمن واحتضان شعبي تعمل بأسلوب «أضرب واهرب» حتى يرضخ العدو لتبعات الاستنزاف في الجبهة العسكرية خارجيًا، ولاستياء الرأي العام في الجبهة الاجتماعية داخليًا.

من الغباء الاعتقاد أنه يمكن لإسرائيل أن تأمِّن للطيارين اللبنانيين وأن تترك لبنان مزهوًا بالـ«ميغ 29»، فأغلب الظن أن طيارًا جريئًا سيصغي ويستجيب لنداء داخلي يقول له «دونك ومعاقل الصهاينة يا طيار»، فينحدر بطائرته نزولاً بكل زخم محركات الميغ - وربما باتجاه مفاعل ديمونا - غير عابئ بما سيحل به من هرس واحتراق وانصهار، تمامًا كما أصغى واستجاب منتظر الزيدي لنداء مماثل غير عابئ بحتفه أو تحطم عظامه أو حتى فقه عيونه.

ويبدو أن الهدف الروسي من تزويد لبنان بطائرات «ميغ 29» أشبه بهدف جحا في المسمار الذي ثبته في جدار داره المباع بشريطة الاحتفاظ بملكية المسمار. فطائرات «الميغ» والجدوى المنتظرة منها ترتبط بمنظومة كبيرة ليس أقلها تدريب الطيارين وتجهيز المطار وهندسة العنابر وأجهزة الرصد والاتصال والصيانة وبرامج الحاسوب والذخائر... بمعنى آخر موطئ قدم روسي، إن لم يكن ذريعة للحضور الدائم فسيكون على الأقل «طعمي التم بتستحي العين» وذلك لاستمالة حكومة لبنان كي تتبنى مواقف تنسجم مع التوجه الروسي في المنطقة، وربما الوقوف إلى جانب حلفاء روسيا في حال نشبت حرب إقليمية أو عالمية.

ثم إن تساؤلات عديدة تفرض نفسها حول الهبة الروسية وما يحيط بها من تطورات ذات صلة، سيما وأن روسيا تسعى لشراء طائرات استطلاع إسرائيلية بدون طيار، فماذا وراء رغبة روسيا بشراء تلك الطائرات؟ هل صحيح ما جاء على لسان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية من أن روسيا تريد تلبية احتياجات جيشها؟ أم إنها تريد الحصول عليها لدراسة تلك الطائرات ومن ثم إعداد الوسائل الملائمة للتعامل معها ميدانيًا؟ وهل إن إسرائيل ستسلم روسيا النسخة التي تستخدمها فعلاً في عملياتها العسكرية أم إنها ستدخل في لعبة التذاكي مع روسيا فتسلمها نسخة مختلفة؟ أيًا يكن الجواب فهناك ضبابيَّة وغموض يغذيان احتمال التصادم في المنطقة بشكل أو بآخر.

يفرض وجود طائرات «ميغ 29» بحوزة الجيش اللبناني تقديم ملف علاقة الدولة بالمقاومة على سائر الملفات، فإما نزع للسلاح وإما رفع لدرجات التنسيق، سيما وأن حادثة «سجد» لا تزال ماثلة في الأذهان حيث أسقط عنصر من المقاومة قبل أشهر طائرة هليكوبتر للجيش اللبناني حلقت فوق بعض مواقع المقاومة.

حسنًا فعل وزير الدفاع اللبناني الياس المر الذي دخل من باب فتحَه له النائب سعد الحريري على روسيا، سيما بعد أن أثبتت التجارب عدم جدوى تعويل لبنان على الدعم العسكري الأميركي. إذ يستفاد من درس نهر البارد أن الدعم الأميركي لا يتجاوز «خذوا هذه الخراطيش القليلة لهذه المعركة تحديدًا»، أي لا يأتي الدعم إلا على نحو غير مؤكد وعند استفحال الحاجة إليه بما ينعكس سلبًا على وضع الخطط العسكرية وعلى قدرة الجيش في التحرك السريع. وستبدي لنا الأيام نجاعة التقارب اللبناني - الروسي إذا ما استجابت روسيا لطلب تزويد لبنان بالذخائر وناقلات الجنود وصواريخ الدفاع الجوي، فتلك أسلحة يمكن للربَّاع اللبناني أن يحملها.

ختامًا، إننا كلبنانيين ندعي ونحن ضعفاء معرفة الكثير، في حين نجهل أهم نقاط قوتنا، ولا يمكننا أن نعول على أي قوة ما لم نتصرف ونتحرّك ونقرر ونحلم كشعب موحّد. أما الطائرات الحربية الحديثة التي فوجئ وزير الدفاع اللبناني نفسه بتلقيها، وإذا ما غضت إسرائيل الطرف عنها، فبإمكاننا أن نطوي معها صفحة الـ«هوكر هانتر» ونستخدم الـ«ميغ 29» للعروض العسكرية وإطلاق الدخان الملون بها لرسم علم لبنان في السماء يوم عيد الاستقلال.

وليد المحب
رئيس جمعية صون حق التعبير
22/12/2007

 

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights © 2005 - 2008