Tajawoz - May 2006

 Sky Main Page

 Tajawoz index

د. ربيعة أبي فاضل: الشاعر الزاهد

جلسة تجاوز لشهر أيار 2006


عقدت جمعية تجاوز جلستها لشهر أيار في كلية الفنون بالجامعة اللبنانية – الفرع الثاني (فرن الشباك)، وكان ضيف هذا اللقاء الشاعر والقصاص والناقد الدكتور ربيعة أبي فاضل الذي تكلمّ على تجربته في الشعر والقصة.

        استهلّ الكلامَ الدكتور ديزيره سقال، مدير الجلسة، فاستهلّ بكلمة عرّف بها بالضيف، قال: ولد ربيعة أبي فاضل في أول تشرين الثاني 1950 في قرية نابيه التي وضع فيها مؤخرًّا كتابًا عنوانه نابيه: تاريخها وتراثها الثقافي هو آخر كتبه الصادرة حديثًا، وأنهى دروسه الابتدائيّة في قريته. وانتقل إلى المعهد الأنطوني ليكمل دراسته المتوسطة، ومنه إلى معهد مار مارون بغزير أوائل السبعينات ليدرس فيه دروسه الثانوية. أما دروسه الجامعيّة فقد أتمّها في الجامعة اللبنانيّة في كليّة التربية التي حصل منها على ماجستير. ثم انتقل إلى جامعة القديس يوسف ليُتمّ دكتوراه الحلقة الثالثة، فإلى كلية الآداب بالجامعة اللبنانية ليحصل على دكتوراه الفئة الأولى، ثمّ يتدرج ليحصل على رتبة أستاذ. كاتب وشاعر وقصاص. مارس الصحافة فكتب في جريدة النهار، والديار، والبيرق، والقدس. كما مارس التعليم، فدرّس في المدارس الرسمية وفي بعض المدارس الخاصة، كمدرسة مار يوسف بقرنة شهوان، ومعهد الورديّة. وهو اليوم أستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية – كلية الآداب. له عدد من الكتب المدرسيّة، إلى جانب أعمال كثيرة في الأدب، نذكر منها:

1 – في الشعر: جزر الأنبياء (1977) - هذا وجهي (1981) - عطشان يحنو على الينبوع (1986) - همسات روح (1994) - عودة الحلاّج (1998).

2 – في القصة: قصص من القرية (1980) - وديع في الضيعة (1983) - من قريتي (1985) - نحو روح لبنانية (1990) - نسمات ريفية (1992) - ألفيرو وقصص أخرى (1995) - الغراب الأبيض (1995) - رحلة الوروار (2001) - عيد الليمون (2001) - مارديروس وقصص أخرى (2001) - أقاصيص من تراثنا (2003).

وله عدد من الكتب النقدية نذكر منها: من تراثنا الفكريّ (1985) - مدخل إلى أدبنا المعاصر (1985) - جولة في بلاغة العرب وأدبهم (1988) - الفكر الديني في الأدب المهجري (1992) - حسّان بن ثابت شاعر الإسلام (1993) - فوزي المعلوف شاعر الألم والحلم (1993) - أديب مظهر رائد الرمزية (2002) - جبران والتراث العربي (2004) وغيرها من الكتب النقدية، آخرها عنوانه: في أدب النهضة صدر عام 2005.

د. ربيعة أبي فاضل الشاعر شهادة في السفر الروحيّ. حلّق بشعره في فضاءات الروح، مستلهِمًا الأبعادَ المسيحيّة والإنجيليّة في كتاباته، كما استلهم أيضًا من التراثات الروحية الأخرى، وخصوصًا الهنديّة البوذية. وجاء الشِعرَ متصوّفًا في عصر افتقر إلى التصوّف، يبحث عن إلهه فيه كما في كلّ ما حوله، ويبحث عن كلمة الله في أعماله وفي الطبيعة التي عشِقها وتذوّقها وعاش فيها طويلاً. لهذا السبب نجده يركّز تركيزًا كبيرًا على التراث لأنّه يجد فيه جذور الإنسان الروحيّة.

       سنحاول أن نوزّع عملنا اليوم على محورين: المحور الأول هو شعر د.ربيعة أبي فاضل من خلال كتبه، والمحور الثاني هو تجربة د. ربيعة أبي فاضل القصصية، وسنحاول أن نجد العلاقة التي تربط بين التجربتين.


د. ديزيريه سقَّال يقدم اللقاء

        واستلم الكلام الدكتور ربيعة أبي فاضل فاستهلّه بقراءة كلمة أعدّها خصيصًا للمناسبة، كما قال، وأهداها للدكتور سقال نفسه:

الزهد عندما يكتب

الكلامُ ليسَ لي لكنّه للصمت،

والتكريمُ، أيضًا، ليسَ لي، لكنّه للزهد

وهذا اللطفُ البليغُ ليسَ لي أيضًا وأيضًا، لكنّه للسكينةِ المحرِّكَة

فأنا لم أُكسَرْ لأُجبَرَ كما أبو حَيّان

ولمْ آكلْ البُقَيلةَ الذاويةَ والكُسَيْرَةَ اليابسةَ،

ولم ألبَسِ القميصَ المرقَّعَ لأكونَ أنبأَ حقًّا للجمال...

 

الكلامُ ليسَ لي، لكنّه للحكمةِ التي لا عبارةَ ولا إشارةَ

تالُ غورَها،

والتكريمُ أيضًا ليسَ لي، لكنّه للنعمةِ التي ابرَكَتْ

وروّتْ بماءِ الصبرِ روحي

فأنا لم أصِلْ إلى الذروةِ العالية، ولم أخلعِ الإنسانَ

لألبسَ الملكَ وأتركَ ظلَّه المختلف

على حركة الأزمنة!

 

الكلامُ ليسَ لي، كلنّه للكلمة ، رفيقةِ السَحَر،

والثوابُ هو لها، أيضًا... فهي أظهرتِ الخفيّ

وقرّبتِ البعيد، وحَنَّت إلى أهلها في الفردوس...

دَعْ أنّ وجهَها خصيب، وقامتَها حبيبة،

وأنا لم أُسعِدْها كما الجاحظ، ولم أقرَعْ بيَدِ القريحةِ

بابَها، ولم أسمعْ صوتَ هَيبتِها...

 

الكلامُ ليسَ لي، لكنّه للمحبّة

والتكريمُ هو أيضًا وأيضًا لجذورها تجني الثمار،

تُريكَ الحلى الحقيقيَّ، وودائعَ القلوب،

وتمدُّ لكَ يقظةَ النور في غربة ِ الأمكنة

فأنا لم أغُصْ في بحرها إلى الآن، ولم أحتملْ المشقّات،

كما أوصى عبد القاهر الجرجاني، ولم أخاطر بالروح لأُخرِجَ لؤلؤَها الشريف...

 

الكلمُ ليسَ لي، لكنّه لـإخوان الصفاء وخِلاّنِ الوفاء

يبحثونَ عن الخلود بالمعرفة، وعن الغرابة في الجدَّة، وعن

الإشعاعِ السخيِّ بالمودّة فإنْ غبتَ حفظوك، وإنْ تَضَعضَعْتَ عَضَدوك...

والوحدُ منهم كالشجرة المباركة، تُدَلّي أغصانَها لعابري

الطريق، وتنشر طيبَها في الفضاء، وتَسترُ الأرضَ

بفيئِها الجليل، وتتركُ في النفوسِ شوقًا ورؤًى...

 

الكلامُ ليسَ لي، لكنّه للزمانِ الآتي، في انتظارِ الكواكبِ والأصوات،

والمعاني الجديدة، في انتظار الحنانِ حيثُ تستريحُ النصوص روحًا

وريحانًا وإشراقًا، في انتظار الخلقِ، لا من تراب، والإبداع لا مِنْ

لا شيء، وترْكِ الضياءِ على الأشياء، لا منَ الشمس...

الكلامُ ليسَ لي لكنّه للصمت... لكنّه للبساطةِ المقدّسة!

لكلّ هذه القيمِ التي تُشعِلُ الربيعَ في حقولِنا!


د. ربيعة أبي فاضل يتكلَّم

        واستهلّ الدكتور سقال بالقسم الأول فدعا الضيف إلى التكلم على تجربته الشعرية في دواوينه الخمسة المنشورة بدءًا بديوانه الأول: جزر الأنبياء انتهاءً بـعودة الحلاّج.

        قال الدكتور ربيعة إنّ المرحلة التي بدأت أكتب فيها كانت بفعل صراخ سمعته في الخارج: ماذا يحصل في الطريق؟ كانت الحرب قائمة، وعوضًا من أن أخرج إلى الطريق لأرى ماذا يحصل، دخلتُ إلى غرفتي وأوصدتُ الباب ورحت أستمع إلى سيمفونية لبيتهوفن، وجاءت الكتابة وحدها. كانت بداية خفيّة. وضعتُ نفيسي في حوار بينين وبين الله في جزر الأنبياء. كانت لديّ خياران في تلك المرحلة: إما أن أذهبَ نحوَ الخارج، وإما أن أذهب نحو الداخل؛ فاخترتُ الحركة الثانية: رفض قتل الإنسان، ورفض المتاجرة به... وقد كتبتُ في قصص مارديروس فيما بعد صديقي النص.

        جزر الأنبياء كُتب في مرحلة الحرب اللبنانية الأولى: 1976، وصدر عام 1977. وفي تلك المرحلة كنتُ قد بدأت أكتب أطروحة الدكتوراه، فانفتحت على الهندوسيّة والتيوزوفيّة وقرأت قراءات خارج المسيحية، وكان من البديهي أن ينتصر الداخل فيّ على الخارج في تلك اللحظة. ثمّ كتبت "هذا وجهي" شعرًا صوفيًّا. ثمّ شعرتُ في "عطشان يحنو على الينبوع" تجربة أخرى – وهو ديوان غريب عجيب، قد لا أكتب مثله حتى ولو عشتُ سبعَ حيوات! – فيه تجربة مشاعر الغربة في الوطن: فلم أعد أعرف أين أبقى. وقد أنجزتُ كتابة الديوان في خلال ستة أشهر، لم أشعر في خلالها مرة واحدة أنّني كنتُ أكتب، لأنني كنتُ أمشي وأنا أكتب في طبيعة نابيه. ثمّ كنتُ أعطي المخطوطات لصديقي ديزيره قيقرأها ويعطيني ملاحظاته التي كان دوّنها بقلم رصاص وأخذتُ بها. لقد كانت تجربة رائعة! وبالمناسبة حتى مخطوطاتي القصصية كنتُ أعرضها على صديق لي متضلّع من اللغة هو وديع جبر. لقد أفدتُ من صديقيّ هذين: ديزيره ووديع جبر...

        بعد هذا كتبتُ همسات روح عام 1993، وكنتُ أعاني فاجعة عدمِ الاستقرار، كتبته أيضًا في غابة المونتيفردي. وطبعه لي أحد الأشخاص مجانًا، فأعطيته الألفَ من نسخه وأخذت منها مئةً فقط. وعلمتُ منه أنّها بيعَت سريعًا كلّها. ولم يُطبَع الكتاب مجدّدًا. وهذا الكتاب مكمّل لعودة الحلاج الذي صدر لاحقًا.


نادين طربيه، ديزيريه سقَّال وربيعة أبي فاضل

        أما عودة الحلاج فقد كان أول تجربة للقصيدة الموزونة. وقد كانت عفوية. وبالمناسبة أعتقد أنّني في الوزن أعرف أن أزن النصوص، ولكنّني أقلّ شعرية منّي في النصوص الخالية منه. هذا رأيي. لكنّ هذا لا يعني أنّ عودة الحلاّج أقلّ قيمة من الكتب الأخرى. فإذا أردتُ أن أقارنه بـعطشان يحنو على الينبوع وجدتُ الثاني يسيل سيلانًا، في حين أنّ عودة الحلاج لم يكن كذلك عندما كتبته. وهنا أنصحكم بكتابة قصيدة الوزن لخوض هذه التجربة.

        وقرأت هنا سحر أبي حيدر نصًّا من ديوان عودة الحلاج هو التالي:

غِياب

يَقِفُ المَجْدُ ببابي

سائلاً: هلْ يَدخُلُ؟

حائرًا: هلْ يرحَلُ؟

 

وأنا يُبعِدُني صَوْتُ اليَبابِ

يُبعِدُ الوَجْهُ اقتِرابي...

 

وأنا في رَهْبةِ الصَمتِ الحَبيبْ

ساجِدٌ، يَحضُنُني نورُ الكِتابِ

ساجدٌ تحتَ الصليبْ.

وأصلّي مثلَ شيخٍ

يَنتَشي عَبْرَ ارتعاشاتِ الغيابِ

قَدْ تَعَرّى مِنْ إيابِ.

 

وأصلّي مثلَ طفلٍ

قَد تناءى عَنْ ظِلالٍ وتُرابِ...

 

وأصَلّي صامتًا

والصمْتُ روحٌ للجوابِ.

وقرأ روبير البيطار نصًّا من هذا وجهي هو التالي:

بوذا يهجرُ بيتَ الجسد


روبير البيطار

هذا إلهي

أتطَهَّرُ فيهِ، أناديهِ

أوّاهْ

طِفلي

قُبّعَتي

أثوابي

قَشٌّ ومَتاهْ

ماضِيَّ وَمَجدي خُرافَهْ

لا أعرفُ هذي الأرضْ

أبعِدوا عَنْ عَينَيَّ الجدرانْ

تَكفي ذا القلبِ الأحزانْ...

ألنورُ يُنادي

والجوعُ يُقَوّيني

والعُرْيُ الآتي يَبني لي بيتي وحَنيني.

 

أتَشَهّى. أولَدُ في الماءْ

تَلبَسُني كلُّ الأسماء

يَعشَقُني النهرُ القُدْسِيّ

يَسجدُ فيَّ الطيرُ البريّ

تطلعُ من جسدي الأنوارْ

يُحرقُ أحشائي أعصارْ.

 

هذا إلهي

أتطهّرُ فيهِ. أناديهِ.

 

خَبّأتُ وجهي

في تربةِ الزمنْ.

مشيتُ في الظلامْ.

نَحوي مشى الموتُ العَفيفْ

يا موجةَ الأفْقِ الأخيرْ

غَنَّتْ ليَ الرمالْ

وغنّتِ الأغصانُ والجَمالْ

وغَنَّتِ المُنى.

 

يا رحلةَ النوارسْ

في الأفْقِ

في الرياحْ

حَمَلْتُ ظلْمَتي حَقيبَهْ

للجائعينْ،

لنَورسٍ يجوعْ

في رحلةِ السنينْ،

لذئبةٍ تُداعِبُ الحَمَلْ

في ليلهِ الطويلْ

تُضيئُهُ القُبَلْ

ونشوةُ الرحيلْ.

 

لننتظِرْ

لننتظِرْ

يا وجهُ، في الرمالْ

قد تبسِمُ الثواني

وتُنقَلُ الجبالْ

قد تُزهِرُ الصخورْ

ويُزهِرُ الجسرُ

ويُشرقُ العُبورْ

ويَنعَمُ النَسْرُ

بيقظَةِ إلهِهِ،

لننتظِرْ.

يا عصًا تكسِرُ الظلمةَ والليلَ والماءَ، تحِنُّ إليكَ أصابعي. حَمَلْتُ العمرَ على ظَهري. مَشَيْتُ إلى الجسدِ هاربًا من جسدي، هجرتُ بيتي.

عرَفتُ من زَمانْ

بأنّكَ الصدى

ونَبْضَةُ المدى

في قلبي...

        وعلّق الدكتور ديزيره على تجربته التي عاناها مع الدكتور ربيعة أبي فاضل في عطشان يحنو على الينبوع فقال إنّه عبارة عن قصيدة طويلة جدًّا، يذكر أنّ صاحبها قد استعار كتبًا صوفيّة عديدة يقرأها ويكتب، منها منطق الطير للعطار، وكان د. ربيعة يقرأ ويكتب لأشهر. وعندما قرأ الدكتور سقال المخطوطة اعترف بأنّها ذهلته، وبأنّه من أروع ما قرأ من كتابات صوفية في حياته. ثمّ قرأت نادين طربيه مقطعًا اختاره الدكتور سقال من الديوان المذكور هو التالي:


نادين طربيه

أُلْقي عَصايْ

تَمتدُّ ثُعبانًا مُبينْ

وأَنْشُرُ الأيدي بَياضًا نِعمةً

لساحرٍ حزينْ

للأرضِ للبحارْ

لرِعشةِ النهارْ

للتائهينْ

عَبرَ السنينْ

 

أُلقي عَصايْ

للساجدينَ العابدينْ

تَمتدُّ ثعبانًا مُبينْ

تَرتدُّ. تَضْرِبُ الحَجرْ

تُفجِّرُ العيونْ

وتَنشرُ الغَمامْ

فوقَ اقرى،

تُلاعبُ الطيورْ

وتَكْنُزُ الحنينْ

 

        بيني وبينَ القلب نهرٌ/ بيني وبين العينِ نور/ أَغرُسُني الآنَ في صَمتْ بَياضِكَ وأَصمُتُ/ أَجهَلُ الآنَ كلماتِ الحَنين/ وأنقلُ/ يتنبّأ الترابُ/ يرفعُني سَروةً إلى السحُبَ/ ينسى بُكائي/ يُطَرّيني الترابُ ونَباتُ لبنانَ في أيامِ الصيف وفي أيامِ الضيق وفي أيامٍ آتِياتٍ/ يُطّرّيني الترابُ/ أجهلُ الآنَ التعبيرَ وأُسْلِمُ وجهي للحلُمِ الجديد/

        (...) يا شجرةَ الكواكبِ/ يا شجرةَ التينِ/ أيّتها الريحُ التي تهبُّ/ أيّتها الملائكةُ في الجهاتِ/ وأنتِ الشمسُ/ وأنتِ النارُ والأعشابُ/ وأنتِ الأعماقُ حيثُ أنغامُ الروحِ/ أسمعُ صوتًا آتِيًا من البحار/ أنا الصامتَ/ أسمعُ صوتًا آتيًا من البحار صوتَ العروسِ ما بيني وبين القلب/ صوتَ إيقاعٍ غريب يتلاشى في السرّ الأخير...

        (...) يَنبوعٌ يتفجّرُ على يَنبوعٍ/ فجرٌ يطَلعُ على فجرِ شُعاعٍ/ يغتسِلُ في أنهارِ نور/ وحدَه الصلصالُ يَشقى والطينُ يَبقى/ ومِنَ النورِ وحدَهُ يُصْنَعُ الإلَهُ/

        أيُّها اليَنبوعُ الذي يَعْشَقُُني

        وَيَحْنو عَلَيَّ، أنا العاشِقَ/

        يَحْنو علَى اليَنْبوعِ/ دائمًا يَحنو

        على اليَنبوع.

        وانتقل الكلام إلى القسم الثاني من الجلسة: تجربة الدكتور ربيعة القصصية. وسئلَ عن تجربته القصصية وجذورها، فقال: ثمة ثلاثة عناصر أثرت في تجربتي القصصية: الطبيعة، والذات، والثقافة. بيني وبين الطبيعة صداقة عفوية، والدي هو الذي فجّرها فيّ. وكان والدي هو من تعلّمت منه القصة وأنا صغير. وعلّمني فنّ الإلقاء وحصلتُ في الصف السادس في المعهد الأنطوني على جائزة الإلقاء، وكان هو حافظًا لكل سيرة عنترة بشعرها. وقد ولّد فيّ حبّ الطبيعة الحبّ العذريّ.

        كان أول كتبي القصصية قصص من القرية، كتبته في قريتي نابيه، وكلّ شخصياته مستوحاة منها، مع بعض التحويلات، وهذا أمر طبيعيّ.

        وفي وديع في الضيعة أيضًا كانت لي تجربة مميزة، وكنتُ أستشرفُ بعض التجارب. لقد أخذت الطبيعة وبعض أبطال الريف منّي 12 مجموعة قصصية. والدي موجود فيها كلّها، وخصوصًا منها رواية رحلة الوروار. وقد طرح عليّ كثير من الناس السؤال التالي: ألا تعرف إلا شخصيات الريف لتكتب عنها؟ في الواقع أنا أركّز على هذا إيمانًا منّي بأنّي أكتب عن الجذور، والإنسان الذي لا جذور له لا قيمة له، ولا يقدر أن يكون أصيلا مبدعًا. وأنا لستُ نادمًا على الطريق التي مشيتُ فيها.

        لقد أعطاني الدير الشعرَ الصوفيّ، والطبيعة أعطتني القصص، وأساتذتي أعطتني المعرفة: وخصوصًا خليل حاوي الذي لا يمكن أن يتعلّم عنده طالب من غير أن يتأثر به، إلا إذا كان في هذا الطالب خَطبٌ ما. هذا الجوّ جعلني أيضًا أكتب كتبًا عن بعض المبدعين: جبران، وأديب مظهر، وبعض النهضويين الآخرين... ولكن إذا سألتموني: أين تجد نفسك بين هذه الخطوط الثلاثة التي فتحتها: الشعر الصوفي والقصة والنقد، لقلت لكم: إن الشعر الصوفي هو الأقرب إلى الذات والكون.

        وهنا قرأت زينة مجاعص أقصوصة من كتاب وديع في الضيعة أقصوصة بقرة السماء:

        كنتُ في السادسة عندما قال لي أبي، ونحنُ حَول وجُاقِ الحَطب: هل تَسمعُ بقرةَ السماء؟ فشعرْتُ مُذذاكَ بقوّة خيالي، ورُحْتُ أتصوّرُ شَكلَ بقرةِ السماءِ، وأراقبُ صوتَها كلّما دوّى رعدٌ وازدحمتِ الغيومُ فوق ضيعتِنا. وذهبَ بيَ الخيالُ إلى التساؤل: كيفَ يُمكن لهذه الغيومِ أنْ تحملَ بقرةً كبيرةً والأرضُ تتعبُ تحتَها أحيانًا؟ وماذا ترعى تلك البقرةُ فوقَ الغيومِ؟ وكيفَ هو لونُ عينيها؟ وهل تُعطي أطفالَ السماءِ حليبًا طيّبًا كما تُعطي شَقرا بقرةُ العمّ بو مراد؟

        أذكرُ ذاتَ ليلٍ راعِبٍ أنّ أبي أرْسلني إلى الدكّان لحاجةٍ مُلِحّة، وإذا بمطرٍ غزير فوقَ رأسي فاحتميتُ في قبوٍ عتيق وأنا أرتجف. جلسْتُ وأغمضْتُ عيني خوفًا من أن تفترسَني بقرةُ السماء، فصوتُها يُلَعلِعُ ويهزّ جُدرانَ القبوِ وأنا أختبئُ في ثيابي، أفتَحُ عينيّ خِلسةً، فلا أرى غيرَ السوادِ، ولا أسمعُ غيرَ صوتِ الخوف. وما بقي في ذهني، أنّني رفعتُ احتجاجي تلكَ الليلة، ضدّ أبي. سمعتُ البقرةَ ولمْ أرَها، فكيفَ رأى هو بقرةَ السماء؟ وهل في السماء بقرٌ؟ والراهبةُ أخبرتنا أنّ السماءَ للملائكة وللأطفال وأنقياءِ القلوب؟

        لم أنَمْ تلكَ الليلةَ. قمتُ إلى المقلَمَة، ورسمْتُ بقرةً تشبه الحوتَ، وحاولْتُ أن أرسمَ معَها صَوْتَها والسماءَ التي تسكنها فَكَعِيتُ، وأغمضْتُ عينيّ فوقَ الورقة من تعَبٍ طفوليٍّ. وقبلَ أن يُطِلّ الفجر، قمتُ على غيرِ عادتي وسألتُ أبي: أينَ هي السماء؟ قال: إنّها فوقَنا. فنظرتُ، وإذا سقفُ المنزلِ المغطّى بالنقضِ والدخان. قلتُ: ليسَ فوقَنا غيرُ السطح، وهناكَ الغيومُ والأمطارُ، فكيفَ ترى السماءَ يا أبي؟ أذكرُ أنّه ما عادَ تكلّمَ، بل عاوَدَه النعاسُ، وأخذَ يشخرُ، وأنا أرتفعُ بخيالي من رأسي إلى سطحِ البيتِ إلى الغيومِ السوداءِ إلى بقرةِ السماء. والسماءُ؟ فوقَفْتُ أمامَ النافذةِ كأنّني من فلاسفةِ القورنِ الوسطى أنظرُ إلى البعيدِ، وأحلّلُ، وأتذكّر جدّتي التي أخبرتني أنّ القمرَ في السماء، وجدّيَ الذي قالَ لي إنّ السماءَ في الشمس، وأذكرُ أبا مراد الذي قال لي مازِحًا إنّها تحتَ جَناحِ عصفور... وما لن أنساهُ أبدًا أنّ هَمّ السماءِ لاحقَني وأنا أنمو على طرقِ الضيعةِ وتحتَ أشجارِها وفي غاباتِها وحقولها. كلّما رأيتُ زهرةً قلتُ: هنا تسكنُ السماء. وكلّما سمعتُ نبعًا ونهرًا، قلتُ: هي السماءُ. وكلّما رأيتُ رَفَّ سنون، قلتُ: إنّها السماء. وعندما سألتُ أحدَ فلاّحي قريتي: أينَ السماءُ؟ قال: في الرغيفِ، أو في حبّةِ التراب. ومع كلِّ ذلك فلمْ أرضَ ولمْ أقتنِعْ، فما زلتُ بعيدًا عن السماءِ وبقرتها ولونِها ومكانِها وهُوِيّتِها. وكانتِ الراهبةُ أخبرتني أنّ البحثَ عن السماء خطيئةٌ، فرحتُ أعترفُ أمامَ الكاهن، حافظِ الأسرارِ أنّني أخطأتُ، وأنّني قرّرتُ التوبةَ بشرطِ أن يُخبرَني أينَ السماءُ؟ ومِنْ أخْذٍ ورَدٍّ، ووعْظٍ وإرشادٍ، قالَ لي كلماتٍ كالنقشِ في الحجر: السماءُ، يا بُنَيّ، في قلبكَ.

        إذًا، فالسماءُ في القلب! ولكنْ ماذا يعني القلبُ؟ عرَفتُ لأوّل مرّة أنّ لي قلبًا. ولكنَّ السماءَ الكبيرةَ تسكنُ هذا القلبَ الصغيرَ. وماذا تفعلُ السماءُ عندما ينبضُ هذا القلب؟ هل تهربُ أو تبرقُ أو ترعد؟ أذكرُ أنّني اسْتَبْهَمَ عليَّ فَهْمُ قولِ الكاهن، لكنّّه فتَحَ عَينَيّ وطاقاتٍ فيَّ لا أستطيعُ التعبيرَ عنها. عرَفتُ أنّ لي قلبًا، وأنّ السماءَ لا تسكنُ إلا القلوبَ البيضاءَ، وأنّ القلوبَ السوداءَ ليست صالحةً كي تسكنَها السماءُ. فليست السماءُ مكانًا. وليست غيومًا وأمطارًا وكواكبَ وخَيالاتٍ. إذنْ فالسماءُ قلب. وكيفَ أمتلكُ السماءَ دائمًا؟ كيفَ أُطْبقُ قلبي على اللونِ الأبيضِ وأطردُ اللونَ الأسودَ والبقرةَ الخرافيّةَ والمسافةَ الفانيةَ في الزمانِ والمكان؟ هكذا كنتُ أكبرُ فيّ وأدخلُ فيها. أصبحَتِ السماءُ أنا. أصبحتِ الآخرَ لأنّه هو أيضًا قلبٌ. ولأنّني أعرفُ كيفَ أجدُ في قلبهِ حبّةَ الأرزّ التي تُنعِشُ السهلَ. وكيفَ أجدُ البَياضَ، بياضَ السعادةِ الذي يكشفُ عنْ العمقِ الحقيقيِّ للسماءِ وعنِ البُعدِ الحقيقيّ للقلب. إنّها بقرةُ المحبّة الحَلوبِ التي تفيضُ طفولةً وبراءةً في الطريق.

        عندما كبرتُ حلمتُ أيضًا أنّ في يدي عصفورًا، وأنّه طارَ، وعندما طارَ ارتفعَ وكانَ يَنشُدُ وهوَ يرتفعُ قِمّةَ جبلٍ عالٍ، لكنّه بدونِ صخرٍ أو تراب، عالٍ بدونِ رعدٍ أو مطر، عالٍ عالٍ... أحَبّ العصفورُ القمّةَ، وكانَ يطيرُ يطيرُ... وما زالَ يطيرُ. أصبحَ قلبُهُ كلّ القلوبِ، وفي عينيهِ البعيدتينِ كلُّ الأعيُن، وفي شوقهِ كلُّ الأشواق. وعرفتُ أنّ القلبَ الأبيضَ عصفورٌ ينبضُ ليطيرَ، وأنّ الطيرانَ يؤدّي إلى القمّة، وأنّ العصافيرَ تتقدّمُ معًا إلى القمّة. والسماءُ في القلب تبدأ حبّةَ أرُزٍّ، وتكبرُ ثمّ تكبرُ ثمّ تكبرُ لتتّخذ َ حجمَ السماء...

        وتُركَ المجال للأسئلة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية: قراءة بعض النصوص الإبداعية. فقرأت زينة مجاعص قصيدة بالعامية، ثمّ قرأت كاتالينا قزّي قصيدة بالفصحى، ثمّ مروان مجاعص نصًّا بالفصحى أيضًا، ثم سحر أبي حيدر قصيدة فصيحة.


على اليمين مروان مجاعص يقرأ قصيدة بالعامية - على اليسار كاتالينا قزِّي تقرأ قصيدة بالفصحى

Sky Of LEBANON - All Rights Reserved - Copyrights 2005 - 2006